التمهيد في علوم القرآن - ط مؤسسة النشر الإسلامي - المعرفت، الشيخ محمد هادي - الصفحة ٥٧ - ٧ - كلام القاضي عبد الجبار
قيل لهم: إنّ هذا لو كان صارفا عن معارضة القرآن، فليكن صارفا عن سائر المعارضات الشعريّة التي كانت متداولة عندهم، إذ يكون الناس بين متعصّب لهذا و متعصّب لذاك، فليمسكوا عن المعارضة رأسا! فإن قيل: لعلّهم أخطئوا في العدول الى المحاربة، كما أخطئوا في عبادة الأصنام عن عبادة اللّه تعالى.
قيل له: إنّما أخطأتم أنتم في القياس، لأنّ ذلك أمر نظري يستدرك بطريقة الاستدلال و الاستنباط، ممّا يمكن فيه الخطأ. و ليس حال المعارضة كذلك، فإنّه ضروري لا يتصوّر فيه الخطأ، فإن قيل: إنّما تركوا المعارضة، لاشتمال القرآن على قصص كانوا يجهلون أمثالها.
قيل له: القرآن مشتمل على كثير من أنواع الكلام، فلو كانت المعارضة ممكنة لهم لآتوا بسائر أنواع الكلام و جعلوها معارضة للقرآن. على أنّه كان بامكانهم أن يصنعوا من عندهم قصصا و يكسونها من العبارات الجيّدة العظيمة اجزلة ما يقارب القرآن في الفصاحة و يدانيه فيلتبس الحال فيه.
و أيضا فإنّ القرآن قد تحدّى اليهود أيضا، و فيهم العلماء بالأخبار و العارفون بالأقاصيص كما أنّ العرب كانوا قد بعثوا الى الفرس يطلبون منهم القصص، نحو قصة رستم و اسفنديار، و جمعوا من ذلك شيئا كثيرا لكنّهم عجزوا في النهاية أن يجعلوه معارضة للقرآن.
فإن قيل: عجز العرب عن معارضته، لعلّه كان من جهة أن القرآن كان من كلام محمد (صلى اللّه عليه و آله) و كان متقدّما في الفصاحة على جميع العرب، و لهذا
قال: «أنا أفصح العرب».
قيل له: ليس الأمر على ما ظننت، فإنّه يستحيل فيمن نشأ بين جماعة يتعاطون البلاغة و يتباهون بالفصاحة، أن يتعلّمها و يأخذها منهم، ثم يبلغ فيها حدّا لا يوجد في كلام واحد منهم، بل في كلام جماعتهم، فصل يساوي كلامه