التمهيد في علوم القرآن - ط مؤسسة النشر الإسلامي - المعرفت، الشيخ محمد هادي - الصفحة ٥٥ - ٧ - كلام القاضي عبد الجبار
عمرو بن عبيد، ففصل من كلامه ربّما يزيد على كلام أبينهم كلاما و أجزلهم لفظا و أفصحهم لسانا، فكيف يصحّ ما ذكرتموه؟
و أمّا ترك العرب معارضة القرآن، و عدولهم عنه الى المقاتلة، فظاهر أيضا فإنّهم حين أحسّوا من أنفسهم العجز عن الإتيان بمثل القرآن، تركوه الى المقاتلة، و ذلك يؤذن بعجزهم عن ذلك، و إلّا فالعاقل إذا أمكنه دفع خصومه بأيسر الأمرين لا يعدل عنه الى أصعبهما.
فإن قيل: و من أين أنّهم تركوا المعارضة و لم يعارضوه البتة؟ قيل له: إنّهم لو عارضوه لكان يجب أن ينقل إلينا معارضتهم، فإنّه لا يجوز في حادثتين عظيمتين تحدثان معا، و كان الداعي الى نقل احداهما كالداعي الى نقل الاخرى، أن تخصّ احداهما بالنقل، بل الواجب أن تنقلا جميعا أو لا تنقلا، فأمّا أن تنقل احداهما دون الاخرى فلا.
و لا يمكن إنكار ما قلناه من أنّ الداعي الى نقل أحد الحادثين كالداعي الى نقل الآخر، بل لو قيل: أنّ الداعي الى نقل المعارضة أقوى لكان أولى، إذ المعارضة ممّا ينقلها المخالف و الموافق. المخالف ينقله ليرى الناس أنّ فيه ابطال حجّة محمد (صلى اللّه عليه و آله) و الموافق ينقله ليتكلّم عليه و يبيّن أن ذلك ليس من المعارضة في شيء.
و يزيد ما ذكرنا وضوحا، أنّهم نقلوا من المعارضات ما هي ركيكة كمعارضة مسيلمة و غيره، فلولا أنّ دواعيهم كانت متوفّرة الى ذلك، كان لا ينقل إلينا هذه المعارضة على ركّتها.
قال: و بعد، فإنّ المعارضة لو كانت لكانت هي الحجة، و لكان القرآن هو الشبهة، و اللّه تعالى لا يجوز أن يسلّط علينا الشبهة على وجه لا سبيل لنا الى حلّها، و يمكن من إخفاء الحجّة على حدّ لا يمكن الظفر بها، بل كان يجب أن يقوي الدواعي الى نقل المعارضة أن لو وقعت، فلمّا لم يفعل، دلّنا ذلك على أنّها