التمهيد في علوم القرآن - ط مؤسسة النشر الإسلامي - المعرفت، الشيخ محمد هادي - الصفحة ٣٦ - ١ - رأي أبي سليمان البستي
واحد منهما على الآخر فضيلة خصّ بها القرآن.
قال: و إنّما تعذّر على البشر الإتيان بمثله لامور، منها: أنّ علمهم لا يحيط بجميع أسماء اللغة العربيّة و بألفاظها التي هي ظروف المعاني و الحوامل لها، و لا تدرك أفهامهم جميع معاني الاشياء المحمولة على تلك الألفاظ، و لا تكمل معرفتهم لاستيفاء جميع وجوه النظوم التي بها يكون ائتلافها و ارتباط بعضها ببعض، فيتوصّلوا باختيار الأفضل عن الأحسن من وجوهها، إلى أن يأتوا بكلام مثله.
... و إنّما يقوم الكلام بهذه الأشياء الثلاثة: لفظ حامل، و معنى قائم به، و رباط لهما ناظم. و إذا تأمّلت القرآن وجدت هذه الامور منه في غاية الشرف و الفضيلة، حتى لا ترى شيئا من الألفاظ أفصح و لا أجزل و لا أعذب من ألفاظه، و لا ترى نظما أحسن تأليفا و اشدّ تلاؤما و تشاكلا من نظمه.
.. و أمّا المعاني فلا خفاء على ذي عقل، أنّها هي التي تشهد لها العقول بالتقدّم في أبوابها، و الترقّي الى أعلى درجات الفضل من نعوتها و صفاتها.
... و قد توجد هذه الفضائل الثلاث على التفرّق في أنواع الكلام، فأمّا أن توجد مجموعة في نوع منه، فلم توجد إلّا في كلام العليم القدير، الذي أحاط بكلّ شيء علما، و أحصى كل شيء عددا.
قال: فتفهّم الآن و أعلم أنّ القرآن إنّما صار معجزا لأنّه جاء بأفصح الألفاظ في أحسن نظوم التأليف، مضمّنا أصحّ المعاني، من توحيد له عزّت قدرته، و تنزيه له في صفاته، و دعاء الى طاعته، و بيان بمنهاج عبادته، من تحليل و تحريم و حظر و إباحة، و من وعظ و تقويم و أمر بمعروف و نهي عن منكر، و إرشاد الى محاسن الأخلاق، و زجر عن مساوئها، واضعا كلّ شيء منها موضعه الذي لا يرى شيء أولى منه، و لا يرى في صورة العقل أمر أليق منه، مودعا أخبار القرون الماضية و ما نزل من مثلات اللّه بمن عصى و عاند منهم، منبئا عن