التمهيد في علوم القرآن - ط مؤسسة النشر الإسلامي - المعرفت، الشيخ محمد هادي - الصفحة ٣٤ - ١ - رأي أبي سليمان البستي
وَ هُمْ مِنْ بَعْدِ غَلَبِهِمْ سَيَغْلِبُونَ فِي بِضْعِ سِنِينَ[١] و كقوله سبحانه: قُلْ لِلْمُخَلَّفِينَ مِنَ الْأَعْرابِ سَتُدْعَوْنَ إِلى قَوْمٍ أُولِي بَأْسٍ شَدِيدٍ[٢] و نحوهما من الأخبار التي صدقت أقوالها مواقع أكوانها ... قلت: و لا يشك في أنّ هذا و ما أشبهه من أخباره نوع من أنواع إعجازه، و لكنّه ليس بالأمر العامّ الموجود في كلّ سورة من سور القرآن، و قد جعل سبحانه في صفة كلّ سورة أن تكون معجزة بنفسها، لا يقدر أحد من الخلق أن يأتي بمثلها، فقال: فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِنْ مِثْلِهِ[٣]. من غير تعيين، فدلّ على أنّ المعنى فيه غير ما ذهبوا إليه.
و زعم آخرون أنّ إعجازه من جهة البلاغة، و هم الأكثرون من علماء أهل النظر، و في كيفيّتها يعرض لهم الإشكال، و يصعب عليهم منه الانفصال.
و وجدت عامّة أهل هذه المقالة قد جروا في تسليم هذه الصفة القرآن على نوع من التقليد، و ضرب من غلبة الظنّ دون التحقيق له و إحاطة العلم به. و لذلك صاروا إذا سئلوا عن تحديد هذه البلاغة التي اختصّ بها القرآن الفائقة في وصفها سائر البلاغات، و عن المعنى الذي يتميّز به عن سائر انواع الكلام الموصوف بالبلاغة، قالوا: إنّه لا يمكننا تصويره و لا تحديده بأمر ظاهر نعلم به مباينة القرآن غيره من الكلام. قالوا: قد يخفى سببه (سبب التفاضل بين كلامين) عند البحث، و يظهر أثره في النفس، حتى لا يلتبس على ذوي العلم و المعرفة به.
قالوا: و قد توجد لبعض الكلام عذوبة في السمع و هشاشة في النفس لا توجد مثلها لغيره منه، و الكلامان معا فصيحان، ثم لا يوقف لشيء من ذلك على علّة ..
.. قلت: و هذا لا يقنع في مثل هذا العلم، و لا يشفي من داء الجهل به، و إنّما هو إشكال أحيل به على إبهام.
[١] الروم: ٣.
[٢] الفتح: ١٦.
[٣] البقرة: ٢٣.