التمهيد في علوم القرآن - ط مؤسسة النشر الإسلامي - المعرفت، الشيخ محمد هادي - الصفحة ٣٥ - ١ - رأي أبي سليمان البستي
و بذلك ينتهي الى إبداء رأيه الأخير في وجه الإعجاز، قائلا:
فأمّا من لم يرض من المعرفة بظاهر السمة دون البحث عن باطن العلّة، و لم يقنع في الأمر بأوائل البرهان حتى يستشهد لها دلائل الامتحان، فإنّه يقول: إنّ الذي يوجد لهذا الكلام من العذوبة في حسّ السامع، و الهشاشة في نفسه، و ما يتحلّى به من الرونق و البهجة، التي يباين بها سائر الكلام حتى يكون له هذا الصنيع في القلوب، و التأثير في النفوس، فتصطلح من أجله الألسن على أنّه كلام لا يشبهه كلام، و تحصر الاقوال عن معارضته، و تنقطع به الاطماع عنها، أمر لا بدّ له من سبب، بوجوده يجب له هذا الحكم، و بحصوله يستحقّ هذا الوصف.
قال: و قد استقرأنا أوصافه الخارجة عنه، و أسبابه النابتة منه، فلم نجد شيئا منها يثبت على النظر، أو يستقيم في القياس، و يطرد على المعايير. فوجب أن يكون ذلك المعنى مطلوبا من ذاته، و مستقصى من جهة نفسه، فدلّ النظر و شاهد العبر على أنّ السبب له و العلّة فيه: انّ أجناس الكلام مختلفة، و مراتبها في نسبة التبيان متفاوتة، و درجاتها في البلاغة متباينة غير متساوية فمنها البليغ الرصين الجزل، و منها الفصيح القريب السهل، و منها الجائز الطلق الرسل.
و هذه أقسام الكلام الفاضل المحمود، دون الهجين المذموم، الذي لا يوجد في القرآن شيء منه البتة.
فالقسم الأوّل أعلى طبقات الكلام و أرفعه. و القسم الثاني أوسطه و أقصده. و القسم الثالث أدناه و أقربه، فحازت بلاغات القرآن من كلّ قسم من هذه الأقسام حصة، و أخذت من كلّ نوع من أنواعها شعبة، فانتظم لها بامتزاج هذه الأوصاف نمط من الكلام يجمع صفتي الفخامة و العذوبة و هما على الانفراد في نعوتهما كالمتضادّين، لأنّ العذوبة نتاج السهولة، و الجزالة و المتانة في الكلام تعالجان نوعا من الوعورة، فكان اجتماع الأمرين في نظمه، مع نبوّ كلّ