التمهيد في علوم القرآن - ط مؤسسة النشر الإسلامي - المعرفت، الشيخ محمد هادي - الصفحة ٣٣ - ١ - رأي أبي سليمان البستي
المصاقع و الشعراء المفلّقون[١] و قد وصفهم اللّه تعالى في كتابه بالجدل و اللدد، فقال سبحانه: ما ضَرَبُوهُ لَكَ إِلَّا جَدَلًا بَلْ هُمْ قَوْمٌ خَصِمُونَ[٢]. و قال سبحانه: وَ تُنْذِرَ بِهِ قَوْماً لُدًّا[٣] فكيف كان يجوز- على قول العرب و مجرى العادة مع وقوع الحاجة و لزوم الضرورة- أن يغفلوه و لا يهتبلوا الفرصة فيه[٤] و أن يضربوا عنه صفحا، و لا يجوزوا الفلح و الظفر فيه، لو لا عدم القدرة عليه و العجز المانع منه.
قال: و هذا- من وجوه ما قيل فيه- أبينها دلالة و أيسرها مئونة. و هو مقنع لمن تنازعه نفسه مطالعة كيفيّة وجه الإعجاز فيه[٥].
ثمّ أخذ في بيان مذاهب اخرى في بيان وجه الإعجاز، قال: و ذهب قوم الى أنّ العلّة في إعجازه الصّرفة، أي صرف الهمم عن المعارضة، و إن كانت مقدورا عليها، غير معجوز عنها، إلّا أنّ العائق من حيث كان أمرا خارجا عن مجاري العادات، صار كسائر المعجزات ... قال: و هذا أيضا وجه قريب، الّا أنّ دلالة الآية تشهد بخلافه، قال سبحانه: قُلْ لَئِنِ اجْتَمَعَتِ الْإِنْسُ وَ الْجِنُّ عَلى أَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ هذَا الْقُرْآنِ لا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَ لَوْ كانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيراً[٦] فأشار في ذلك الى أمر طريقه التكلّف و الاجتهاد، و سبيله التأهّب و الاحتشاد. و المعنى في الصّرفة التي وصفوها لا يلائم هذه الصفة، فدلّ على أنّ المراد غيرها، و اللّه أعلم.
قال: و زعمت طائفة أن إعجازه إنّما هو فيما يتضمّنه من الاخبار عن الكوائن في مستقبل الزمان، نحو قوله سبحانه:
[١] المصقع: البليغ. و شاعر مفلق- بزنة اسم الفاعل- مبدع.
[٢] الزخرف: ٥٨.
[٣] مريم: ٩٧.
[٤] اهتبال الفرصة: اغتنامها.
[٥] اي و هذا أيسر الوجوه لمن اراد الاقتناع النفسي و لو تقليدا و ليس تحقيقا.
[٦] الاسراء: ٨٨.