التمهيد في علوم القرآن - ط مؤسسة النشر الإسلامي - المعرفت، الشيخ محمد هادي - الصفحة ٣٢ - ١ - رأي أبي سليمان البستي
توسّع في هذا البحث فأفاد و أجاد-: أنّ الإعجاز قائم بنظمه ذلك المتّسق البديع و رصفه ذلك المؤتلف العجيب، قد وضعت كلّ كلمة في موضعها اللائق بدقة فائقة، ممّا يستدعي إحاطة شاملة تعوزها البشريّة على الإطلاق، الأمر الذي أبهر و أعجب، قال:
قد أكثر الناس الكلام في هذا الباب قديما و حديثا، و ذهبوا فيه كلّ مذهب من القول و ما وجدناهم بعد صدروا عن ريّ، و ذلك لتعذر معرفة وجه الإعجاز في القرآن، و معرفة الأمر في الوقوف على كيفيّته. فأمّا أن يكون قد نقبت في النفوس نقبة[١] بكونه معجزا للخلق ممتنعا عليهم الإتيان بمثله على حال، فلا موضع لها. و الأمر في ذلك أبين من أن نحتاج الى أن ندلّ عليه بأكثر من الوجود القائم المستمر على وجه الدهر، من لدن عصر نزوله الى الزمان الراهن الذي نحن فيه. و ذلك أنّ النبيّ (صلّى اللّه عليه و آله) قد تحدّى العرب قاطبة بأن يأتوا بسورة من مثله فعجزوا عنه و انقطعوا دونه. و قد بقي (صلى اللّه عليه و آله) يطالبهم به مدّة عشرين سنة، مظهرا لهم النكير، زاريا على أديانهم مسفّها آراءهم و أحلامهم، حتى نابذوه و ناصبوه الحرب فهلكت فيه النفوس، و اريقت المهج، و قطعت الأرحام، و ذهب الأموال ..
.. و لو كان ذلك في وسعهم و تحت أقدارهم لم يتكلّفوا هذه الامور الخطيرة و لم يركبوا تلك الفواقر المبيرة[٢] و لم يكونوا تركوا السهل الدمث من القول، الى الحزن الوعر من الفعل[٣].
هذا ما لا يفعله عاقل و لا يختاره ذو لبّ. و قد كان قومه قريش خاصة موصوفين برزانة الأحلام و وفارة العقول و الألباب، و قد كان فيهم الخطباء
[١] اي ألقيت في النفوس إلقاء. و هو قول قريب من القول بالصرفة، و من ثمّ رفضه.
[٢] الفاقرة: الداهية. و الإبارة: الإهلاك.
[٣] الدماثة: السهولة. يقال: أرض دمث أي ذلول، ضد الحزونة و الوعورة.