التمهيد في علوم القرآن - ط مؤسسة النشر الإسلامي - المعرفت، الشيخ محمد هادي - الصفحة ٣٠٩ - ١٥ - الحطيئة العبسي
قال جرجي زيدان: و أكثر هجوه- بعد الإسلام- الذي وصل إلينا، في الزبرقان و بغيض. كان الزبرقان من عمّال عمر بن الخطاب، و قد عرف شدّة وطأة الحطيئة فأحبّ أن يقرّبه فأنزله في قومه و ضمن له مئونة عياله على أن يستصفي له مدحه. و كان بغيض و إخوته ينافسون الزبرقان، فاغتنموا استهانة (امّ شذرة) أمّ الزبرقان مرّة بالحطيئة فدعوه إليهم و أكرموه و بالغوا في إكرامه، فمدحهم بالبيت المشهور الذي رفع رءوسهم به و هو:
|
قوم هم الأنف، و الأذناب غيرهم |
و من يسوّي بأنف الناقة الذنبا؟ |
|
و كان من هجوه للزبرقان بهذه المناسبة:
|
و اللّه ما معشر لاموا امرأ جنبا |
في آل لأي بن شمّاس بأكياس |
|
الى أن يقول:
|
ملّوا قراه و هرّته كلابهم |
و جرّحوه بأنياب و أضراس |
|
|
دع المكارم لا ترحل لبغيتها |
و اقعد فإنّك أنت الطاعم الكاسي |
|
|
من يفعل الخير لا يعدم جوازيه |
لا يذهب العرف بين اللّه و الناس |
|
فشكاه الزبرقان الى عمر، فدعا عمر حسان بن ثابت، فقال: أ تراه هجاه؟
قال: نعم، و سلح عليه، فسجنه. فكتب إليه من السجن:
|
ما ذا تقول لأفراخ بذي مرخ |
حمر الحواصل لا ماء و لا شجر |
|
|
ألقيت كاسبهم في قعر مظلمة |
فاغفر عليك سلام اللّه يا عمر |
|
فأخرجه من السجن و هدّده بقطع لسانه و اذنيه، فتوسط له عمرو بن العاص فأطلق سراحه و أوصاه أن يكفّ عن الهجو[١].
و بلغ من شغف الحطيئة بالهجو أنّه هجا والديه و هجا نفسه[٢].
و هو من أصحاب المشوبات، و مطلع مشوبته:
|
نأتك امامة إلّا سؤالا |
و أبصرت منها بعين خيالا |
|
[١] راجع الإصابة: ج ١ ص ٣٧٩.
[٢] راجع في ذلك تأريخ الآداب: ج ١ ص ١٧٠.