التمهيد في علوم القرآن - ط مؤسسة النشر الإسلامي - المعرفت، الشيخ محمد هادي - الصفحة ٢٧٤ - مقارنة عابرة
و أرغب في غريزة حبّ الاختصاص التي جبلت عليها طبيعة الإنسان! و قول أبي تمّام الطائي، يرثي خالد بن زياد الشيباني في قصيدة يمدح أباه فيها:
|
و يصعد حتى يظنّ الجهول |
بأنّ له حاجة في السماء |
|
يريد من الصعود: الرفعة في القدر و المنزلة، لكنّه بنى على تناسي التشبيه فزعم أنّه يحاول الصعود الى السماء على حقيقته .. و هذا التشبيه و التناسي خاليان من أيّ لطف و ظرافة.! و قايس بينه و بين قوله تعالى: إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ وَ الْعَمَلُ الصَّالِحُ يَرْفَعُهُ[١] انظر الى جرس لفظه و لطف تعبيره ...
و قوله تعالى: رَفِيعُ الدَّرَجاتِ، ذُو الْعَرْشِ يُلْقِي الرُّوحَ مِنْ أَمْرِهِ عَلى مَنْ يَشاءُ مِنْ عِبادِهِ لِيُنْذِرَ يَوْمَ التَّلاقِ[٢] كلام خال من التشبيه، لكن ملؤه الأبّهة و الجلال و الكبرياء، في حسن النظم و جودة التعبير ...
قال ابن رشيق: و استبشع قوم قول الآخر يصف روضا:
|
كأنّ شقائق النعمان فيه |
ثياب قد روين من الدماء |
|
فهذا و إن كان تشبيها مصيبا، فإنّ فيه بشاعة ذكر الدماء، و لو قال من العصفر[٣] مثلا أو ما شاكله لكان أوقع في النفس و أقرب الى الانس.
و كذلك صفتهم الخمر في حبابها بسلخ الشجاع[٤] و ما جرى هذا المجرى من التشبيه فإنّه و إن كان مصيبا لعين الشبه فإنّه غير طيّب في النفس، و لا مستقر على القلب، و من ذلك قول أبي عون الكاتب:
|
تلاعبها كفّ المزاج محبّة |
لها، و ليجري ذات بينهما الأنس |
|
[١] فاطر: ١٠.
[٢] غافر: ١٥.
[٣] العصفر- كقنفذ- صبغ أصغر اللون.
[٤] الشجاع- مثلث الشين-: ضرب من الحيّات. و سلخها: كشط جلدها.