التمهيد في علوم القرآن - ط مؤسسة النشر الإسلامي - المعرفت، الشيخ محمد هادي - الصفحة ٢٧١ - مقارنة عابرة
و من أغربها أيضا ترادف الصفات، و في ذلك تهويل مع صحّة لفظ لا تحيل معنى، كقول اللّه تعالى:
أَوْ كَظُلُماتٍ فِي بَحْرٍ لُجِّيٍّ يَغْشاهُ مَوْجٌ مِنْ فَوْقِهِ مَوْجٌ مِنْ فَوْقِهِ سَحابٌ ظُلُماتٌ بَعْضُها فَوْقَ بَعْضٍ[١].
فأمّا الغلوّ فهو الذي ينكره من ينكر المبالغة ... و يقع فيه الاختلاف، من ذلك قول امرئ القيس:
|
كأنّ المدام و صوب الغمام |
و ريح الخزامي و نشر القطر |
|
|
يعلّ به برد أنيابها |
إذا غرّد الطائر المستحر |
|
فوصف فاها بهذه الصفة سحرا عند تغيّر الأفواه بعد النوم، فكيف تظنّها في أوّل الليل؟ فقد بالغ و أتى بالمستحيل، فكان كذبا صريحا و لهجنة في الكلام.
و مثل ذلك قوله يصف نارا:
|
نظرت اليها و النجوم كأنّها |
مصابيح رهبان تشبّ لقفال |
|
و فيه من الإغراق ما يلحقه بالمستحيل، يقول: نظرت إلى نار هذه المرأة تشبّ لقفّال، و النجوم كأنّها مصابيح رهبان. و قد قال:
|
تنوّرتها من أذرعات و أهلها |
بيثرب أدنى دارها نظر عال |
|
و بين المكانين بعد أيام، و إنما يرجع القفّال من الغزو و الغارات وجه الصباح، فإذا رأوها من مسافة أيام وجه الصباح و قد خمد سناها و كلّ موقدها فكيف كانت أوّل الليل؟!! و شبه النجوم بمصابيح الرهبان، لأنّها في السحر يضعف نورها كما يضعف نور المصابيح الموقدة ليلها أجمع، لا سيّما مصابيح الرهبان، لأنّهم يكلّون من سهر الليل فربّما نعسوا ذلك الوقت[٢].
و من أبيات الغلو قول مهلهل:
[١] النور: ٤٠.
[٢] العمدة لابن رشيق: ج ٢ ص ٥٥- ٥٦.