التمهيد في علوم القرآن - ط مؤسسة النشر الإسلامي - المعرفت، الشيخ محمد هادي - الصفحة ٢٣ - التحدي في شموله
جمعاء، تحدّيا مستمرا عبر الأجيال: قُلْ لَئِنِ اجْتَمَعَتِ الْإِنْسُ وَ الْجِنُّ عَلى أَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ هذَا الْقُرْآنِ لا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَ لَوْ كانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيراً[١] و هل وقع التحدّي بجميع وجوه الإعجاز، أم كان يخصّ جانب فصاحته و بلاغته و بديع نظمه و عجيب اسلوبه فحسب؟
و لعلّه يختلف حسب اختلاف الخطاب .. فحيث كان التحدّي متوجّها الى العرب خاصة، و لا سيّما ذلك العهد، الذي كانت مهنة العرب فيه خاصة بجانب البيان و طلاقة اللسان ... فلا جرم كان التحدّي حينذاك أيضا خاصّا بهذا الجانب في ظاهر الخطاب ...
أمّا و بعد أن توجّه النداء العامّ الى كافة البشريّة على الإطلاق، فإنّه لا بدّ أن يقع التحدّي بمجموعة وجوه الإعجاز من حيث المجموع .. حيث اختلاف الاستعدادات و القابليّات ... و القرآن معجزة الإسلام، لجميع الادوار و عامّة الأجيال، و لمختلف طبقات الناس، في الفنون و المعارف، و العلوم و الثقافات ...
التحدّي في شموله:
و هذا التحدّي في عمومه يشمل كلّ الأمم و كلّ أدوار التأريخ، سواء العرب و غيرهم، و سواء من كان في عهد الرسالة أم في عهود متأخرة حتى الأبد. اللفظ عامّ و الخطاب شامل[٢] و لأنّ التحدّي لم يكن في تعبيره اللفظي فقط ليخصّ لغة العرب، و إنّما هو بمجموعته من كيفيّة الأداء و البيان و المحتوى جميعا. كما أنّه
[١] الإسراء: ٨٨.
[٢] و بتعبير اصطلاحي أصولي: أنّ هذا الخطاب يضمّ الى جانب عمومه الأفرادي إطلاقا احواليا و إطلاقا زمانيا معا، إذن فللخطاب شمول من النواحي الثلاث: الأفراد الموجودين و الأقوام الذين يأتون من بعد. و ايّا كانت حالتهم و على أيّ صفة كانوا ...