التمهيد في علوم القرآن - ط مؤسسة النشر الإسلامي - المعرفت، الشيخ محمد هادي - الصفحة ١٦٠ - مذهب الشريف المرتضى
و إذا لم يدخل النظم تفاضل لم يبق إلّا أن يقال: الفضل في السبق إليه، و ذلك يقتضي أن يكون من سبق الى ابتداء الشعر أتى بمعجز، و كذلك كلّ من سبق الى عروض من أعاريضه أو وزن من أوزانه أن يكون ذلك معجزا منه، و ذلك باطل، و ليس يتعذّر نظم مخصوص بمجرى العادة على من يتمكّن من نظوم غيره و لا يحتاج في ذلك الى زيادة علم، كما نقول في الفصاحة. أ لا ترى أنّ كلّ من قدر من الشعراء على وزن الطويل يقدر على البسيط و غيره، و لو كان على سبيل الاحتذاء، و إن خلا كلامه من فصاحة. فعلم بذلك أنّ النظم لا يقع فيه تفاضل.
فإن قيل: قولكم هذا يخرج القرآن من كونه معجزا على الحقيقة، لأنّ على هذا المذهب، المعجز هو الصرف، و ذلك خلاف إجماع المسلمين! قلنا: هذه مسألة خلاف لا يجوز أن يدّعى فيها الإجماع، على أنّ معنى قولنا معجز في العرف بخلاف ما هو في اللغة، و المراد بذلك في العرف ما له حظّ في الدلالة على صدق من ظهر على يده، و القرآن بهذه الصفة عند من قال بالصرفة، فجاز أن يوصف بأنّه معجز. و إنّما ينكر العوام أن يقال: القرآن ليس بمعجز متى اريد به أنّه غير دالّ على النبوة و أنّ العباد يقدرون عليه، فأمّا أنّه معجز بمعنى أنّه خارق للعادة بنفسه أو بما يستند إليه فهو موقوف على العلماء المبرّزين و المتكلّمين المحقّقين ...
فإن قيل: لو كان المعجز هو الصرف لما خفي ذلك على فصحاء العرب، لأنّهم إذا كانوا يتأتى منهم قبل التحدّي ما تعذّر بعده و عند روم المعارضة، و الحال في أنّهم صرفوا عنها ظاهرة جليّة، فلا يبقى بعد هذا شك في النبوّة، و كيف لم ينقادوا لها؟
قلنا: لا بدّ أن يعلموا تعذّر ما كان متأتّيا منهم، لكن يجوز أن ينسبوه الى الاتفاق أو الى السّحر، على ما كانوا يرمونه به. و اعتقادهم في السحر معروف، و كذلك في الكهانة، و لو سلموا من ذلك لجاز أن ينسبوا ذلك الى اللّه تعالى فعله