التمهيد في علوم القرآن - ط مؤسسة النشر الإسلامي - المعرفت، الشيخ محمد هادي - الصفحة ١٥٩ - مذهب الشريف المرتضى
العرب و أبرع كلامهم، و لا يظهر لنا التفاوت بين الكلامين الظهور الذي قدّمناه فلم حصل لنا الفرق القليل و لم يحصل الكثير؟ و لم ارتفع اللبس مع التفاوت و لم يرتفع التفاوت؟
فإن قيل: الفرق بين أفصح كلام العرب و بين القرآن موقوف على متقدّمي الفصحاء الذين تحدّوا به! قلنا: لو وقف ذلك عليهم، فأمّا من ينكر الفرق بين أشعار الجاهلية و المحدثين، فإن أشار بذلك الى عوام الناس و الأعاجم منهم و من لا يعرف الفصاحة أصلا و لا خيرها، فلا ينكر. و إن أشار الى العلماء و الألبّاء الذين عرفوا الفصاحة و تدرّبوا بها، فإن ذلك لا يخفى عليهم.
فإن قال: الصرف عمّا ذا وقع؟
قلنا: الصرف وقع عن أن يكون يأتوا بكلام يساوي أو يقارب القرآن في فصاحته و طريقة نظمه بأن سلب كلّ من رام المعارضة العلوم التي تتأتى بها من ذلك، فإنّ العلوم التي بها يتمكّن من ذلك ضرورة من فعله تعالى بمجرى العادة، و على هذا لو عارضوه بشعر منظوم لم يكونوا معارضين، و الذي يدلّ على ذلك أنّه (عليه السّلام) أطلق و أرسله فوجب أن يكون إنّما أطلق تعويلا على ما تعارفوه في تحدّي بعضهم بعضا، فإنّهم اعتادوا ذلك بالفصاحة و طريقة النظم و لهذا لم يتحدّ الخطيب الشاعر و لا الشاعر الخطيب، بل لم يكونوا يرتضون في معارضة الشعر إلّا بالمساواة في عروضه و قافيته و حركة القافية المطلوبين.
و لو شكّ القوم في مراده لاستفهموه، فلمّا لم يستفهموه دلّ على أنّهم فهموا غرضه ...
و أمّا الذي يدلّ على أنّه لو لا الصرف لعارضوه، فهو: أنّه إذا ثبت أنّ في فصيح كلامهم ما يقارب كثيرا من القرآن، و النظم لا يصحّ فيه التزايد و التفاضل، بدلالة أنّه يشترك الشاعران في نظم واحد لا يزيد أحدهما على صاحبه و إن تباينت فصاحتهما.