التمهيد في علوم القرآن - ط مؤسسة النشر الإسلامي - المعرفت، الشيخ محمد هادي - الصفحة ١٥٧ - مذهب الشريف المرتضى
و هذه الجملة إنما تنكشف بأن يدلّ على أنّ التحدّي وقع بالفصاحة بالطريقة في النظم. و أنّهم لو عارضوه بشعر منظوم لم يكونوا فاعلين ما دعوا إليه.
و أن يدلّ على اختصاص القرآن بطريقة في النظم مخالفة لنظوم كلّ كلامهم، و على أنّ القوم لو لم يصرفوا لعارضوا.
و الذي يدلّ على الأول أنّه (صلى اللّه عليه و آله) أطلق التحدّي و أرسله، فيجب أن يكون إنّما أطلق تعويلا على عادة القوم في تحدّي بعضهم بعضا، فإنّها جرت باعتبار الفصاحة و طريقة النظم. و لهذا ما كان يتحدّى الخطيب الشاعر، و لا الشاعر الخطيب، و أنّهم ما كانوا يرتضون في معارضة الشعر بمثله إلّا بالمساواة في عروضه و قافيته و حركة قافيته. و لو شكّ القوم في مراده بالتحدّي لاستفهموه، و ما رأيناهم فعلوا، لأنّهم فهموا أنه (صلى اللّه عليه و آله و سلّم) جرى فيه على عاداتهم.
و ممّا يبيّن أنّ التحدّي وقع بالنظم- مضافا الى الفصاحة- أنّا قد بيّنا مقارنة كثير من القرآن لأفصح كلام العرب في الفصاحة. و لهذا خفي الفرق علينا من ذلك، و إن كان غير خاف علينا الفرق فيما ليس بينهما هذا التفاوت الشديد.
فلولا أنّ النظم معتبر لعارضوا بفصيح شعرهم و بليغ كلامهم.
فأمّا الذي يدلّ على أنّهم لو لا الصرف لعارضوا أنّا قد بيّنا في فصاحة كلامهم ما فيه كفاية، و النظم لا يصحّ فيه التزايد و التفاضل، و لهذا يشترك الشاعران في نظم واحد لا يزيد أحدهما فيه على صاحبه و إن زادت فصاحته على فصاحة صاحبه.
و إذا لم يدخل في النظم تفاضل فلم يبق إلّا أن يكون الفضل في السبق إليه. و هذا يقتضي أن يكون السابق ابتداء الى نظم الشعر قد أتى بمعجز، و أن يكون كلّ من سبق الى عروض من أعاريضه و وزن من أوزانه كذلك ... و معلوم خلافه.