التمهيد في علوم القرآن - ط مؤسسة النشر الإسلامي - المعرفت، الشيخ محمد هادي - الصفحة ١١ - المقدمة
[الجزء الرابع]
[المقدمة]
بسم اللّه الرحمن الرحيم الحمد للّه، و سلام على عباده الذين اصطفى محمد و آله الطاهرين.
و بعد، فإنّ مسألة «الإعجاز القرآني» كانت و لا تزال تشكّل الأهمّ من مسائل أصول العقيدة التي بنيت عليها رواسيها و دارت عليها رحى الاسلام، فكان جديرا بمن حاول التحقيق من مباني الشريعة، و البحث عن اسسها الأولى القويمة، أن يدرس من جوانب المسألة و يمعن النظر فيها إمعانا، بعد أن لم تكن المسألة تقليديّة و لا تغني المتابعة العمياء من غير معرفة أو علم يقين.
أمّا عرب الجاهلية الاولى فقد كانت تدرك جانب هذا الإعجاز البيانيّ، بحسّها البدائيّ المرهف و ذوقها الفطريّ السليم في سهولة و يسر، إذ كان القرآن نزل بلغتهم و على أساليب كلامهم، سوى كونه في مرتبة عليا و على درجة أرقى، كانوا يدركونه فهما و لا يكاد يبلغونه في مثله أداء و تعبيرا.
كان عصر نزول القرآن أزهى عصور البيان العربي، و قد بلغت العرب من العناية بلغتها و الإشادة بمبانيها، مبلغ الكمال بما لم تبلغه في أيّ عصر من العصور.
كانت لهم أندية و أسواق[١] يجتمع إليها فصحاؤهم، خطباء و شعراء،
[١] كانت على مقربة الطائف سوق تجتمع إليها العرب في الأشهر الحرم- حيث الأمان المؤقّت- فينصبون خيامهم بين نخيله في مكان يسمى بعكاظ و كانت العرب تقصدها في طريقها الى الحجّ، فيجتمعون منه في مكان يقال له( الابتداء) و قد اتخذتها العرب سوقا بعد عام الفيل بخمس عشرة سنة، أي قبل مبعث النبي( صلى للّه عليه و آله) بخمس و عشرين عاما( سنة ٥٤٠ للميلاد) و كانت وفود العرب تتوافد إليها من كل صوب. و زادت قريش بواعث الاجتماع إليها أنّهم جعلوها مسرحا للأدب و الشعر، تتسابق فيه القبائل لإظهار نوابغها من شعراء و خطباء، فيتناشدون و يتفاخرون و كانوا يعرضون فيها نخب قصائدهم على نقدة القريض و الكلام و يكون لذلك احتفال حاشد يشهد جماهير العرب، فتشيع قصائدهم و يترنّم بها الركبان في كلّ صقع.
و بقيت سوق عكاظ بعد الاسلام معرضا يتبادل فيه السلع، حتى نهبها الخوارج الحروريّة حين خرجوا بمكة مع المختارين عوف سنة( ١٢٩ ه).
و كانت لهم أسواق أخر تبلغ العشرة كانت تقام في فواصل معيّنة من السنة في أمكنة متعدّدة، و كانت تحت خفارات منتظمة في حمايات معيّنة، ذكر تفصيلها اليعقوبي في تاريخه: ج ١ ص ٢٣٩.
و كانت لهم أيضا مجالس يجتمعون فيها لمناشدة الأشعار و مبادلة الأخبار و البحث عن بعض شئونهم العامة، و كانوا يسمّون تلك المجالس( الأندية) و منها نادي قريش و دار الندوة بجوار الكعبة. و كان لكلّ بيت من بيوت الأشراف فناء بين يديه للاجتماع، و لكلّ قوم مجتمع عامّ في المضارب. على أنّهم كانوا حيثما اجتمعوا تناشدوا و تفاخروا و تبادلوا سلع الكلام و صناعات القريض و البيان. انظر:
تاريخ الآداب العربية: ج ١ ص ١٩٥، و تاريخ التمدّن الاسلامي: ج ١ ص ٣٧ كلاهما لجرجي زيدان. و دائرة المعارف لفريد و جدي: ج ٦ ص ٥٣٥.