الفروق في اللغة - أبو هلال العسكري - الصفحة ١٨ - الباب الأول في الابانة عن كون اختلاف العبارات و الأسماء موجبا لاختلاف المعاني في كل لغة و القول في الدلالة على الفروق بينها
و الرعاية و ذلك أن نقيض الحفظ الاضاعة و نقيض الرعاية الاهمال و لهذا يقال للماشية اذا لم يكن لها راع همل. و الاهمال ما يؤدي الى الاضاعة فعلى هذا يكون الحفظ صرف المكاره عن الشيء لئلا يهلك و الرعاية فعل السبب الذي يصرف به المكاره عنه. و سنشرح هذا في موضعه ان شاء الله. و لو لم يعتبر في الفرق بين هاتين الكلمتين و ما بسبيلهما النقيض لصعب معرفة الفرق بين ذلك.
و أما الفرق الذي يعرف من جهة الاشتقاق فكالفرق بين السياسة و التدبير و ذلك أن السياسة هي النظر في الدقيق من أمور السوس مشتقة من السوس هذا الحيوان المعروف و لهذا لا يوصف الله تعالى بالسياسة لأن الأمور لا تدق عنه. و التدبير مشتق من الدبر و دبر كل شيء آخره.
و ادبار الامور عواقبها فالتدبير آخر الأمور و سوقها الى ما يصلح به ادبارها أي عواقبها و لهذا قيل للتدبير المستمر سياسة و ذلك أن التدبير اذا كثر و استمر عرض فيه ما يحتاج الى دقة النظر فهو راجع الى الأول.
و كالفرق بين التلاوة و القراءة و ذلك أن التلاوة لا تكون في الكلمة الواحدة. و القراءة تكون فيها تقول قرأ فلان اسمه و لا تقول تلا اسمه.
و ذلك أن أصل التلاوة من قولك تلا الشيء الشيء يتلوه اذا تبعه فاذا لم تكن الكلمة تتبع أختها لم تستعمل فيها التلاوة و تستعمل فيها القراءة لأن القراءة اسم لجنس هذا الفعل.
و أما الفرق الذي توجبه صيغة اللفظ فكالفرق بين الاستفهام و السؤال و ذلك أن الاستفهام لا يكون الا لما يجهله المستفهم أو يشك فيه لأن المستفهم طالب لأن يفهم و قد يجوز أن يسأل فيه السائل عما يعلم و عما لا يعلم فصيغة الاستفهام و هو استفعال و الاستفعال للطلب ينبئ عن الفرق بينه و بين السؤال. و كذلك كل ما اختلفت صيغته من الاسماء و الافعال فمعناه مختلف مثل الضعف و الضعف[١] و الجهد و الجهد و غير
[١] الاولى بفتح الضاد و الثانية بضمها.