الفروق في اللغة - أبو هلال العسكري - الصفحة ١٢٩ - (الفرق) بين الفعل و الخلق و التغيير
ذلك يقتضي أنه جعلها على هذه الصفة التي هي عليها كما تقول جعلت الطين خزفا، و الجعل أيضا يدل على الاتصال و لذلك جعل طرفا للفعل فتستفتح به كقولك جعل يقول و جعل ينشد قال الشاعر:
|
فاجعل تحلل من يمينك انما |
حنث اليمين على الأثيم الفاجر |
|
فدل على تحلل شيئا بعد شيء، و جاء أيضا بمعنى الخبر في قوله تعالى (وَ جَعَلُوا الْمَلائِكَةَ الَّذِينَ هُمْ عِبادُ الرَّحْمنِ إِناثاً) أي أخبروا بذلك، و بمعنى الحكم في قوله تعالى (أَ جَعَلْتُمْ سِقايَةَ الْحاجِّ) أي حكمتم بذلك، و مثله جعله الله حراما و جعله حلالا أي حكم بتحليله و تحريمه، و جعلت المتحرك متحركا، و له وجوه كثيرة أوردناها في كتاب الوجوه و النظائر، و الجعل أصل الدلالة على الفعل لأنك تعلمه ضرورة و ذلك أنك اذا رأيت دارا مهدمة ثم رأيتها مبنية علمت التغير ضرورة و لم تعلم حدوث شيء إلا بالاستدلال[١].
(الفرق) بين الفعل و الخلق و التغيير
أن الخلق في اللغة[٢] التقدير يقال خلقت الأديم اذا قدرته خفا أو غيره و خلق الثوب و أخلق لم يبق منه الا تقديره، و الخلقاء الصخرة الملساء لاستواء أجزائها في التقدير، و اخلو لق السحاب استوى و انه لخليق بكذا أي شبيه به كأن ذلك مقدر فيه، و الخلق العادة التي يعتادها الانسان و يأخذ نفسه بها على مقدار بعينه فان زال عنه الى غيره قيل تخلق بغير خلقه، و في القرآن (إِنْ هذا إِلَّا خُلُقُ الْأَوَّلِينَ) قال الفراء يريد عادتهم، و المخلق التام الحسن لانه قدر تقديرا حسنا، و المتخلق المعتدل في طباعه، و سمع بعض الفصحاء كلاما حسنا فقال هذا كلام مخلوق، و جميع ذلك يرجع الى التقدير، و الخلوق من الطيب أجزاء خلطت على تقدير، و الناس يقولون لا خالق إلا الله و المراد أن هذا اللفظ لا يطلق الا لله إذ ليس أحد الا و في فعله سهو أو
[١] في السكندرية« باستدلال».
[٢] في السكندرية« العربية».