الفروق في اللغة - أبو هلال العسكري - الصفحة ٣٧ - (الفرق) بين قولك جحده و جحد به
لا مخبر له على ما هو به، و أصله في العربية التقصير و منه قولهم كذب عن قرنه في الحرب اذا ترك الحملة عليه و سواء كان الكذب فاحش القبح أو غير فاحش القبح، و الافك هو الكذب الفاحش القبح مثل الكذب على الله و رسوله أو على القرآن و مثل قذف المحصنة و غير ذلك مما يفحش قبحه و جاء في القرآن على هذا الوجه قال الله تعالى (وَيْلٌ لِكُلِّ أَفَّاكٍ أَثِيمٍ) و قوله تعالى (إِنَّ الَّذِينَ جاؤُ بِالْإِفْكِ عُصْبَةٌ مِنْكُمْ) و يقال للرجل اذا أخبر عن كون زيد في الدار و زيد في السوق انه كذب و لا يقال افك حتى يكذب كذبة يفحش قبحها على ما ذكرنا، و أصله في العربية الصرف و في القرآن (أَنَّى يُؤْفَكُونَ)^ أي يصرفون عن الحق، و تسمى الرياح المؤتفكات لأنها تقلب الارض فتصرفها عما عهدت عليه، و سميت ديار قوم لوط الْمُؤْتَفِكاتُ لأنها قلبت بهم.
(الفرق) بين الإنكار و الجحد
أن الجحد أخص من الانكار و ذلك أن الجحد انكار الشيء الظاهر، و الشاهد قوله تعالى (بِآياتِنا يَجْحَدُونَ)^ فجعل الجحد مما تدل عليه الآيات و لا يكون ذلك إلا ظاهرا و قال تعالى (يَعْرِفُونَ نِعْمَتَ اللَّهِ ثُمَّ يُنْكِرُونَها) فجعل الانكار للنعمة لأن النعمة قد تكون خافية، و يجوز أن يقال الجحد هو انكار الشيء مع العلم به و الشاهد قوله (وَ جَحَدُوا بِها وَ اسْتَيْقَنَتْها أَنْفُسُهُمْ) فجعل الجحد مع اليقين، و الانكار يكون مع العلم و غير العلم.
(الفرق) بين قولك جحده و جحد به
ان قولك جحده يفيد أنه أنكره مع علمه به، و جحد به يفيد أنه جحد ما دل عليه و على هذا فسر قوله تعالى (وَ جَحَدُوا بِها وَ اسْتَيْقَنَتْها أَنْفُسُهُمْ) أي جحدوا ما دلت عليه من تصديق الرسل و نظير هذا قولك إذا تحدث الرجل بحديث كذبته و سميته كاذبا فالمقصود المحدث و اذا قلت كذبت به فمعناه كذبت بما جاء به فالمقصود ههنا الحديث، و قال المبرد لا يكون الجحود الا بما يعلمه الجاحد كما قال الله تعالى (فَإِنَّهُمْ لا يُكَذِّبُونَكَ وَ لكِنَّ الظَّالِمِينَ بِآياتِ اللَّهِ يَجْحَدُونَ).