الفروق في اللغة - أبو هلال العسكري - الصفحة ١٦ - الباب الأول في الابانة عن كون اختلاف العبارات و الأسماء موجبا لاختلاف المعاني في كل لغة و القول في الدلالة على الفروق بينها
أولى أن يكون كذلك. و لهذا المعنى أيضا قال المحققون من أهل العربية إن حروف الجر لا تتعاقب. حتى قال ابن درستويه في جواز تعاقبها إبطال حقيقة اللغة و افساد الحكمة فيها، و القول بخلاف ما يوجبه العقل و القياس. قال أبو هلال رحمه الله و ذلك أنها اذا تعاقبت خرجت عن حقائقها و وقع كل واحد منهما بمعنى الآخر فأوجب ذلك أن يكون لفظان مختلفان لهما معنى واحد فأبى المحققون أن يقولوا بذلك و قال به من لا يتحقق المعاني، و لعل قائلا يقول ان امتناعك من أن يكون للفظين المختلفين معنى واحد رد على جميع أهل اللغة لأنهم اذا أرادوا أن يفسروا اللب قالوا هو العقل. أو الجرح قالوا هو الكسب. أو السكب قالوا هو الصب، و هذا يدل على أن اللب و العقل عندهم سواء و كذلك الجرح و الكسب و السكب و الصب و ما أشبه ذلك، قلنا و نحن أيضا كذلك نقول الا أنا نذهب الى أن قولنا اللب و ان كان هو العقل فانه يفيد خلاف ما يفيد قولنا العقل. و مثل ذلك القول و ان كان هو الكلام و الكلام هو القول فأن كل واحد منهما يفيد بخلاف ما يفيده الآخر. و كذلك المؤمن و ان كان هو المستحق للثواب فأن قولنا مستحق للثواب يفيد خلاف ما يفيده قولنا مؤمن. و كذلك جميع ما في هذا الباب، و لهذا المعنى قال المبرد الفرق بين أبصرته و بصرت به على اجتماعهما في الفائدة أن بصرت به معناه أنك صرت بصيرا بموضعه و فعلت أي انتقلت الى هذا الحال.
و أما أبصرته فقد يجوز أن يكون مرة و يكون لأكثر من ذلك. و كذلك أدخلته و دخلت به فاذا قلت أدخلته جاز أن تدخله و أنت معه و جاز ألا تكون معه. و دخلت به إخبار بأن الدخول لك و هو معك بسببك.
و حاجتنا الى الاختصار تلزمنا الاقتصار في تأييد هذا المذهب على ما ذكرناه و فيه كفاية.
فأما ما يعرف به الفرق بين هذه المعاني و أشباهها فأشياء كثيرة منها اختلاف ما يستعمل عليه اللفظان اللذان يراد الفرق بين معنييهما. و منها