أنوار الفقاهة في شرح تحرير الوسيلة (كتاب الحدود) - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ٤ - الأمر الأول فلسفة تشريع الحدود والتعزيرات
وحيث إنّ الحكم الإلهي بطبيعة حاله، لا يؤثّر في جميع النفوس إلا من شملته العناية الربّانية، وحسنت سريرته الإنسانية، فلابدّ من ضمّ التبشير والإنذار إلى هذه القوانين، كيما تكون سبباً لحركة الناس إليه وإيجاد الدواعي الفاعلة لديهم.
وحيث إنّ البشارات والإنذارات الإلهية الاخروية غير كافية لردع كثير من الناس عن مظالمهم ومعاصيهم، وحملهم على العمل بوظائفهم والتمسّك بواجباتهم، فلابدّ من عقوبات دنيوية رادعة لمن تعدّاها، أو تركها، وهذا ما يسمّى في العرف بضمانة الإجراء، ومعناها أنّ جعل القانون شيء وإجراءَه بين الناس شيء آخر، والذي يضمن إجراءه أو حسن إجرائه هي العقوبات المترتّبة على مخالفته، بل يجعلون هذا من الشرائط الأصلية والعناصر الذاتية للقوانين، بحيث لو خلا قانون عن ضمانة الإجراء لا يسمّى عندهم قانوناً، بل هو نصيحة ووصيّة وحكم أخلاقي، لا قانون اجتماعي، فخلوّه عن ضمانة الإجراء التي هي من أركانه يعدّ كالعدم.
نعم، ضمانة الإجراء في القوانين العقلائية منحصرة في العقوبات الدنيوية، بينما يتّسع نطاقها في الشرع والدين بحيث يستوعب مساحة واسعة جدّاً، فالإيمان بالغيب والاعتقاد بيوم المعاد والتقوى الإلهية وأمثالها، من أقوى الضمانات الإجرائية وأكثرها تأثيراً، ولذا قلّما يرى في المجتمعات المسلمة المؤمنة غصب الحقوق والاعتداء على الناس حتّى مع عدم وجود عقوبات وحدود.
لكن مع ذلك، فالشارع المقدّس لم يغفل عن ضمانة الإجراء الدنيوية، ولذا جعل الحدود والتعزيرات كعامل مساعد للوصول إلى هذه الأهدف العالية والمقاصد الشريفة، والتأكيد على الضامن المعنوي كما ورد في روايات عديدة: