أنوار الفقاهة في شرح تحرير الوسيلة (كتاب الحدود) - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ٣٣ - الشرط الثاني العقل
من المجنون بمكلّف، وكيف يمكن عقابه على ما لم يكلّف به»[١].
وبالجملة: لا يمكن رفع اليد عن القواعد المسلّمة المعروفة في المذهب من عدم تكليف المجنون وما يترتّب عليه من العقوبات عند المخالفة، فالأولى أن يقال: لا فرق بين المجنون والمجنونة في عدم جريان الحدّ بلا إشكال لا على الأصحّ كما ذكره في «تحرير الوسيلة».
بقي هنا شيء:
وهو أنّه: قد عرفت أنّ العاقل لو زنا بمجنونة يحدّ، وكذا لو زنت عاقلة مع مجنون، فإنّها تحدّ، وهذا الذي أفتى به الأصحاب، بل يظهر من كلام الشافعي أيضاً فيما حكاه الشيخ (قدس سره) في «الخلاف»[٢]، ولكن حكي عن أبي حنيفة أنّه لا يجب على العاقلة الحدّ إذا وطأها المجنون وإن وطأ العاقل المجنونة لزمه الحدّ، وهذا عجيب لا وجه له وإن كان يظهر من كتاب «الفقه على المذاهب الأربعة» أنّ الوجه فيه أنّ الزنا أوّلًا وبالذات فعل الرجل، وفعل المرأة ليس بزنا، بل تمكين منها لفعل الرجل، فإذا كان الرجل الواطىء عاقلًا كان زانياً وإن كانت المرأة مجنونة، وإذا كانت المرأة عاقلة والرجل مجنون لم يكن الرجل زانياً لعدم الحرمة عليه، فلم يكن فعل المرأة تمكيناً من الزنا، وكذا بالنسبة إلى فعل الصبيّ بالمرأة فلا تحدّ المرأة في الصورتين[٣].
وأنت خبير بأنّ هذا التحليل خطأ محض، فإنّ الزنا أمر يقوم بالطرفين كلّ واحد منهما فاعل وقابل، فاستناده إلى الرجل والمرأة على حدٍّ سواء. قال الله
[١]. إيضاح الفوائد ٤٧١: ٤.
[٢]. راجع: الخلاف ٣٧٢: ٥، المسألة ٦.
[٣]. راجع: الفقه على المذاهب الأربعة ٦١: ٥( نقلًا بالمعنى) ..