أنوار الفقاهة في شرح تحرير الوسيلة (كتاب الحدود) - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ٣٣٤ - حكم رجوع أهل الذمة إلى الحاكم الشرعي
حكموا بحكمهم لعدم قبولهم عار عدم إجراء الحدود.
هذا مضافاً إلى ما حكي عن ابن عباس فيما هو المعروف عنه: خير الله تعالى نبيّه بقوله فَإِنْ جَاءُوكَ حكاه غير واحد منهم.
هذا، وقد يقال كما حكي عن بعض العامّة: إنّها منسوخة بقوله تعالى في تلك السورة بعينها: وَأنِ احْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أنزَلَ اللهُ وَلا تَتّبِعْ أهْوَاءَهُمْ وَاحْذَرْهُمْ أنْ يَفْتِنُوكَ عَنْ بَعْضِ مَا أنزَلَ اللهُ[١].
ويمكن الجواب عنه بأنّ الأمر بأحد فردي التخيير لا يدلّ على فسخ حكم التخيير، ولذا تجمع بين الروايات الدالّة على أحد الفردين فقط بما دلّ على حكم التخيير في بعض المباحث الفقهية.
وإن شئت قلت: ظهور الآية الثانية في التعيين ليس بأقوى من ظهور الآية الاولى في التخيير حتّى يقال بنسخها بها، بل الأمر بالعكس فلم يثبت النسخ في الاولى، ولا سيّما مع حاجة النسخ إلى دليل قويّ.
واستدلّ له أيضاً بما رواه إسماعيل بن أبي زياد، عن جعفر بن محمّد (ع)، عن آبائه (ع) أنّ محمّد بن أبي بكر كتب إلى علي (ع) في الرجل زنى بالمرأة اليهودية والنصرانية، فكتب (ع) إليه:
«إن كان محصناً فارجمه وإن كان بكراً فاجلده مائة جلدة ثمّ أنفه، وأمّا اليهودية فابعث بها إلى أهل ملّتها فليقضوا فيها ما أحبّوا»
[٢].
بناءً على كون الفرد الآخر من التخيير ممّا لا ريب فيه عندهم.
ويمكن الاستدلال له أيضاً بقاعدتين:
إحداهما: أنّ الأحكام الإلهية عامّة شاملة للجميع ولا تقييد في الإطلاقات من هذه الناحية فهو الحقّ.
[١]. المائدة( ٥): ٤٩.
[٢]. وسائل الشيعة ٨٠: ٢٨، كتاب الحدود والتعزيرات، أبواب حدّ الزنا، الباب ٨، الحديث ٥ ..