تقريح العصا في الرق و النخاسة و الخصا - كاشف الغطاء، الشيخ محمد رضا - الصفحة ٣٨٥ - مصر في عهد المماليك
المماليك جنود من الأتراك والشركس، استخدمهم الفاطميون، وأكثر منهم الآيوبيون في الجيش. فلما ضعف الملوك خلعوهم وتولوا الحكم مكانهم. وسيرة المماليك وأعمالهم تعد لأول وهله من غرائب التاريخ، فقد كانوا فئة قليلة قدرت أن تحكم أهل مصر والشام لمدة طويلة، يساعدها جنود مرتزقة من مختلف الأمم. فما الذي جعل أهل مصر والشام يصبرون ولا يثورون على حكامهم الذين نهبوهم مرارا واستبدوا بهم مع أنهم كانوا في نزاع مستمر فيما بينهم؟ فقد عاشوا وحكموا واظهروا شجاعة فائقة وقاموا بأعمال عمرانية كثيرة، وهم أصحاب الفضل العظيم في رد المغول عن مصر، فإنهم صمدوا أمامهم وانتصروا عليهم مراراً، لا سيما في معركة عين جالوت الفاصلة. ولولاهم لحل بمصر ما حل بالعراق من تدمير آثار المدنية والعمران، فهم الذين جعلوا الثقافة في مصر تستمر وتعيش ولا تتوقف، كما حصل في غيرها من البلدان الإسلامية، وهم الذين قضوا نهائيا على الصليبين وأخرجوهم من البلاد، وكانت مصر في زمانهم ذات مركز خطير، حتى أن دولا شتى من أوربا وآسيا مثل الدولة البيزنطية والبندقية عقدت معها المعاهدات، وفي زمن المماليك بنيت في مصر معظم الأبنية الجميلة التي لا تزال تزينها، مع أن القوم كانوا في نزاع دائم فيما بينهم مع أعدائهم، فمن أين جاءت المماليك بهذه القوة المالية والمعنوية؟ مع أنهم أصلًا جنود من مختلف الأمم والشعوب؟ يعود إلى هذه العوامل: نبوغ بضعة رجال من المماليك اهتموا بعمران البلاد واستثمار مرافقها الطبيعية، وهم بيبرس وقلاوون والناصر وبرقوق قاينباي فإنهم تقدموا اعتمادا على دهائهم وعضلاتهم وحيلهم، كما أن نزاعهم الشديد أدى إلى بقاء