تقريح العصا في الرق و النخاسة و الخصا - كاشف الغطاء، الشيخ محمد رضا - الصفحة ٣٨٧ - مصر في عهد المماليك
ولا يبيتوا إلا بها، فكان لا يقدر أحد منهم أن يبيت بغيرها. ثم أن الملك الناصر محمد بن قلاوون سمح لهم بالنزول إلى الحمام يوما في الأسبوع، فكانوا ينزلون بالنوبة مع الخدام، ثم يعودون آخر نهارهم، ولم يزل هذا حالهم إلى أن انقرضت أيام بني قلاوون. وكانت للمماليك بهذه الطباق عادات جميلة أولها: إنه إذا قدم بالمملوك تاجره عرضه على السلطان ونزله في طبقة جنسه وسلمه لطواشي برسم الكتابة، فأول ما يبدأ به تعليمه ما يحتاج إليه من القرآن الكريم، وكانت كل طائفة لها فقيه يحضر إليها كل يوم، ويأخذ في تعليمها كتاب الله تعالى، ومعرفة الخط والتمرن بآداب الشريعة، وملازمة الصلوات، وكان الرسم إذ ذاك أن لا تجلب التجار إلا المماليك الصغار، فإذا شب الواحد من المماليك علمه الفقيه شيئا من الفقه، وأقرأه فيه مقدمة، فإذا صار إلى سن البلوغ، أخذ في تعليمه أنواع الحرب، من رمي السهام، ولعب الرمح، ونحو ذلك. فيتسلم كل طائفة معلم، حتى يبلغ الغاية في معرفة ما يحتاج إليه، وإذا ركبوا إلى لعب الرمح أو رمي النشاب، لا يجسر جندي ولا أمير أن يحدثهم أو يدنو منهم، فينقل إذن إلى الخدمة، وينتقل في أطوارها رتبة بعد رتبة، إلى أن يصير من الأمراء، فلا يبلغ هذه الرتبة إلا وقد تهذبت أخلاقه، وكثرت آدابه، وامتزج تعظيم الإسلام وأهله بقلبه، واشتد ساعده في رماية النشاب، وحسن لعبه بالرمح، ومرن على ركوب الخيل. ومنهم من يصير في رتبة فقيه عارف، أو أديب شاعر، أو حاسب ماهر، هذا ولهم أزمة من الخدام وأكابر من رؤوس النوب يفحصون عن حال الواحد منهم، الفحص الشافي، ويؤاخذونه أشد المؤاخذة ويناقشونه على حركاته وسكناته، فإن عثر أحد من مؤدبيه الذي يعلمه