تقريح العصا في الرق و النخاسة و الخصا - كاشف الغطاء، الشيخ محمد رضا - الصفحة ٢٢ - الاسترقاق في الإسلام
الاسترقاق في الديانات الثلاث الإسلامية واليهودية والنصرانية
الاسترقاق في الإسلام [١]
ظهر الإسلام والاسترقاق ضارب أطنابه في العالم كله، وللأمم الشرقية مزية أخرى فقد كان الاسترقاق فرعاً اقتصادياً حيوياً في الوضعية الاجتماعية الراهنة، وسنوضح لك أن طبيعة الإقليم عامل قوي في انتشار الاسترقاق واتساع نطاقه، وهذا ما جعله في الشرق عنصراً لازماً تستند إليه دعامة المجتمع دون الغرب.
ظهر الإسلام في بلاد العرب والأفكار هائجة والخواطر ثائرة، وهم مغمورون بالجهالة والأضاليل والأساطير في طباع خشنة وعتو واستنكاف، لا يصبرون لمسِّ مقدساتهم، ولا يسكنون لحجة وبرهان، وقد تغلغل في أعماق نفوسهم وألفت طباعهم ما لا يستطاع استئصاله إلا بقوة تستمد أضعافها من قوى غيبية إلهية.
جاء الإسلام ليدك عروش الشرك وعبادة الشمس والكواكب، ويصوغ من الفوضى نظاماً عادلًا عالمياً، وهناك تقاليد وعادات لا ترتضيها روح الإسلام الإصلاحية، كالاسترقاق ووأد البنات خشية العار وقتل الأولاد خشية الإملاق والإسراف في الأخذ بالثار فصمد إليها الإسلام ليقضي عليها ويفتك بأسبابها، وأراد أن يبدل التوحيد بالشرك وقوانين العدل والرحمة والسلام بتلك العادات السيئة تحت راية هذا الدين الحنيف.
والاسترقاق مما ألفته الطباع أجيالًا وانطبقت على غِراره الأخلاق وقد كان إلغاؤه فرعاً من فروع الناموس الإصلاحي العادل الحقوقي الأخلاقي العام، الذي أراد الإسلام تمتع الهيئة الاجتماعية به وتقويضه غير أنه للعلل الآتية لم يلاشه تماماً دفعة واحدة بل أراد أن يسلك طريقة
[١] وجدت بخط المؤلف( رحمه الله) بتاريخ غرة ذي القعدة سنة ١٣٤٩ ه-، يحاول المؤلف أن يثبت أن الإسلام إنما لم يبطل الرق بصريح الحكم من جهة ضرورة العصر، إلا أنه وضع الأسس لأبطاله على سبيل التدريج ولم يشرّع من الاسترقاق إلا ما فيه المصلحة للأرقاء وكان بمقدار ما وجد لا ظلم فيه ولا تعسف وإنما فيه رحمة واستعطاف على الأرقاء.
كانت معاملة الرقيق قاسية ولما بزغ الإسلام رق لحال الرقيق ورثى لضعفه لما هو فيه من الاضطهاد والهوان، وحصر سبب الاسترقاق فلا يكون إلا في حرب شرعية مع قوم صارحوا بالعداوة وبشرط أن يضرب الإمام عليهم الرق وله أن لا يسترقهم. فالدين الإسلامي أجاز الاسترقاق لنشر الإسلام لا كما أجازته سائر الأديان وأقفل أكثر أبوابه، وأشارت نصوصه بطرف خفي أن الاسترقاق من بقايا الهمجية فأمر بإعتاق الأرقاء وشدد في ذلك، وأكثر الصحابة الذين يقتدي بهم من ذلك، وجعل العتق كفارة الذنوب والإيمان وخصص سهماً من مال الزكاة يصرف إليهم.
ويتحصل لدينا من النظر فيما جاء من النصوص الإسلامية في شأن الرقيق، أن الإسلام يكره الاستعباد ويجفو الأسر ويلاشيه مع مرور الأزمان ويميل إلى كل ما من شأنه أن يرفع بالجنس البشري إلى الذروة والسنام. فالإسلام أول ما نادى بإبطال الرق بأساليب معقولة وحث عليه وهو أثر من آثاره الحسنة، وما يطلبه الإسلام هو عين ما قامت به أوربا من تحرير الرقيق بقواها المادية وليس هو من آثار دينها بل من مقتضيات تمدنها ونتيجة رقيها العقلي والعلمي، ومن القاعدة المقدسة الإسلامية وهي أن العتق مبني على التغليب تنفتح أبواب لتحرر الرقيق، قال الغزالي في كتابه إحياء العلوم في باب حقوق المملوك:(( فأما ملك اليمين فهو تقضي حقوقاً في المعاشرة لا بد من مراعاتها فقد كانت آخر ما أوصى به الرسول( ص):( اتقوا الله فيما ملكت أيمانكم، أطعموهم مما تأكلون وأكسوهم مما تلبسون ولا تكلفوهم من العمل ما لا يطيقون فما أحببتم فامسكوا وما كرهتم فبيعوا ولا تعذبوا خلق الله فان ملككم إياهم ولو شاء لملكهم إياكم))). ونختتم البحث بما أورده الأستاذ أحمد أمين في( كتاب الأخلاق)( طبع مصر صفحة ٢٠٢ قال: وقد كان الاسترقاق فاشياً في العصور الماضية ولم يكن ينظر إليه بعين المقت التي ينظر إليه بها اليوم حتى أن أرسطو أكبر فلاسفة اليونان كان يرى أن بعض الناس بفطرته غير قادر على أن يتصرف في شؤون نفسه فخير له أن يكون رقيقاً فيدبر غيره أمره. وفي العصور الحديثة ساد القول بأن الحرية حق طبيعي لكل إنسان، وبعبارة أخرى حق منحه الله للإنسان منذ ولد).
علمت مما أمليناه لك أن الاسترقاق لم يكن بدرجة واحدة عند الأمم وفي نظر الأديان في العصور الماضية والقرون المتوسطة والحديثة، والذي كان فاشياً أصل الاسترقاق بأعم أنواعه وهذا لم ينظر إليه بعين المقت التي أشار إليها الأستاذ والذي دعا الأمم الأوربية لإبطاله واستئصاله هو ذلك النوع من الاسترقاق المملوء بالقسوة والظلم والاضطهاد، وأما أن يكون إنسان في كنف إنسان آخر يحنو عليه كما يحنو على أعز ولده ويشاركه طعامه وملبسه ومسكنه وخصوصاً إذا كان مستواه العقلي لا يرشده إلى ما فيه صلاحه ونفعه وبازاء ذلك يقوم كأجير في أعمال مشروعة لمولاه فذلك لا ينافي الحق الطبيعي الذي منحه الله للإنسان، ويمكن هو الذي قصده أرسطو بنظريته وأقره الإسلام وصانته شرائعه وتعاليمه عما أكتنفه من القسوة والاضطهاد والعدوان. ونلاحظ على الأستاذ أنه لم يستعمل العصور الحديثة بمصطلحها العلمي فإن القول بالحرية إنما ساد بعد الثورة الفرنسية، وهي نهاية العصور الحديثة كما عرفت( ثم قال وإنما منح الناس جميعاً الحرية لسببين: أولهما إن حب الحرية متأصل في نفس كل إنسان فمن الظلم أن يسلبه هذه الرغبة). وهذا السبب كما لا يخفى على غير مسوغ لإبطال الاسترقاق فليس كل ما هو متأصل في نفس كل إنسان تسمح به قوانين الهيئة الاجتماعية وكثير من الغرائز ما لو سمحنا بها لكل إنسان لأنقلب الاجتماع رأساً على عقب.( ثم قال: وثانيهما إن الإنسان لا يمكن أن يكون مسؤولًا إلا إذا كان حراً أعني أنه لا يكون إنساناً إلا إذا كان حراً). وهذا التعليل من الاحاجي وشبيه بما نرويه من الكلمات المأثورة عن بعض كهان العرب، فلماذا لا يكون الإنسان مسؤولًا إلا إذا كان حراً؟ والاسترقاق العادل المشروع لا يناقض المسؤولية، وكونه مسؤولًا لمولاه لا ينافي المسؤولية الاجتماعية التي تتفق مع مسؤولية المولى، وخير للأمم غير المسلمة إذا عافت مدنية الإسلام باختيارها أن تبقى رقيقة في كنف المسلمين لتحتك بهم وتفيض عليها مدتيتهم وما أقره الإسلام من الاسترقاق، فهو مما شاء لوضعية الهيئة الاجتماعية الاقتصادية يتلاشى بمرور الزمان، وأما ما شرعته من الاسترقاق فهو انقاذ من أغلال الهمجية إلى مدنية الإسلام الاجتماعية هذا ما لزمنا إيراده والحمد لله أولًا وآخراً.