تقريح العصا في الرق و النخاسة و الخصا - كاشف الغطاء، الشيخ محمد رضا - الصفحة ١٣١ - الآيات التي اشتملت على لفظ الرقبة والرقاب
أنه لا يعتق من الزكاة رقبة كاملة، ولكن يعطى منها في رقبة، ويعان بها مكاتب، لأن قوله: وفي الرقاب وفيه يقتضي أن يكون له فيه مدخل وذلك بيناً في كونه تاماً فيه.
وذهب الزهري إلى أن هذا السهم يقسم نصفين، نصف للمكاتبين ونصف يشترى به رقاب فيعتقون. أما ما اشتمل من الآيات على لفظ الرقبة مفردة فهي ذات تركيبين، أحدهما تحرير رقبة وثانيهما فك رقبة، والثاني إنما ورد في آية سورة البلد التي ندب إلى العتق بما هو طاعة ابتداءً، فالمندوب هو الفك، وهو يحصل بالعتق وبدفع نجوم المكاتبين بما يحصل معه فكهم عن الرقبة.
والأول وارد في الكفارات ولا يحصل التكفير إلا بالتحرير، والتحرير لا يكون إلا بإخراج العبد من العبودية المطلقة إلى الحرية المطلقة، وإذا كان بعضه محرراً فلم يحرره المكفر إنما تتم حريته.
نعم إذا كان المكاتب لم يدفع شيئاً من مال الكتابة، يكون دفع مال الكتابة تحريراً ويصير به العبد حراً أي خالصاً من الرقية، فإن الحرية في الأصل هي الخلوص ولم تعد صفة الإيمان في الرقبة إلا في كفارة القتل، وعلى كل حال فالمراد بالرقبة الحملة لأنها هي قوام البدن وبها حياته. وقيل الأصل في هذا المجاز، أن الأسير في العرب كان يجمع يداه إلى رقبته بحبل، فإذا أطلق حَلَّ ذلك الحبل فسمي الإطلاق من الرقبة (فك الرقبة) ثم جرى ذلك في العتق وفك الرقبة فرق بينها وبين صفة الرق بإيجاب الحرية وإبطال العبودية.
وإذا تدبرنا هذه الآيات الشريفة ولاحظناها مجتمعة، أدركنا فيها معنى علياً ومقصداً سامياً، ولمسنا رغبة الشارع الإسلامي في تكثير أسباب العتق ونشره، فقد أناط بأمور يتكرر وقوعها ويدوم حدوثها فالزكاة هي الفرض الإسلامي والمادة الكبرى التي تملأ بيوت الأموال الإسلامية، فجعل الشارع المقدس من مصارفها تحرير الرقاب وجعله كفارة القتل والظهار والإيمان غير ما ندب إليه، ورغب فيه من دون سبب، والقتل واليمين مما يكثر وقوعها بين الناس ولا يخلو يوم من حدوثها فيه، والظهار الذي هو أشد أنواع الطلاق عند العرب وأكثرها شيوعاً في صدر الإسلام وفي الجاهلية، التي أستمر كثير من أحكامها وعوائدها في القرون الأولى الإسلامية، ولم ترتفع إلا بعد أن استحكمت القواعد الإسلامية والأحكام المحمدية، وقد جعل كفارته التحرير والعتق. وليست أسباب الرقية في جنب هذه الأسباب التي شرعت للتحرير والعتق بشيء، مما يدلنا على أن الإسلام هو الدين الوحيد الذي يدعو لإلغاء الرقيق بأساليب دقيقة. ويكافح الاسترقاق بمناهج قويمة من دون أن يستثير ثائرة الموالي بكف أيديهم عن أكبر ثروة كان يتمتع بها أصحاب الثروة وأرباب الغنى والجاه. فقد كان الاسترقاق مادة للثراء والكرامة لا يستهان بها.