مصباح الأصول( طبع موسسة إحياء آثار السيد الخوئي) - الخوئي، السيد أبوالقاسم - الصفحة ٢٩٨ - التنبيه الخامس عشر
و أمّا الحكومة فهي عبارة عن انتفاء الموضوع لثبوت المتعبد به بالتعبد الشرعي، و ذلك كالأمارات بالنسبة إلى الاصول الشرعية التي منها الاستصحاب، فانّه بعد ثبوت ارتفاع المتيقن السابق بالتعبد الشرعي لا يبقى موضوع للاستصحاب، إذ موضوعه الشك و قد ارتفع تعبداً، و إن كان باقياً وجداناً لعدم كون الأمارة مفيدةً للعلم على الفرض. و كذا سائر الاصول الشرعية فانّه بعد كون الأمارة علماً تعبدياً لما في تعبير الأئمة (عليهم السلام) عمّن قامت عنده الأمارة بالعارف و الفقيه و العالم[١] لا يبقى موضوع لأصل من الاصول الشرعية تعبداً.
فتحصّل مما ذكرناه: أنّ تقديم الأمارات على الاستصحاب ليس من باب الورود، إذ بمجرد ثبوت التعبد بالأمارة لا يرتفع موضوع التعبد بالاستصحاب، لكونه الشك و هو باقٍ بعد قيام الأمارة على الفرض، بل تقديمها عليه إنّما هو من باب الحكومة التي مفادها عدم المنافاة حقيقةً بين الدليل الحاكم و المحكوم عليه.
توضيح ذلك: أنّ القضايا الحقيقية متكفلة لاثبات الحكم على تقدير وجود الموضوع، و ليست متعرضة لبيان وجود الموضوع نفياً و إثباتاً- بلا فرق بين كونها من القضايا الشرعية أو العرفية: إخبارية كانت أو إنشائية- فانّ مفاد قولنا: الخمر حرام، إثبات الحرمة على تقدير وجود الخمر، و أمّا كون هذا المائع خمراً أو ليس بخمر، فهو أمر خارج عن مدلول الكلام، و حيث إنّ دليل الحاكم شأنه التصرف في الموضوع، فلا منافاة بينه و بين الدليل المحكوم الدال على ثبوت الحكم على تقدير وجود الموضوع، فلا منافاة بين الدليل الدال على حرمة الخمر و الدليل الدال على أنّ هذا المائع ليس بخمر. و كذا لا منافاة بين
[١] الوسائل ٢٧: ١٣٦/ أبواب صفات القاضي ب ١١ ح ١ و ٦ و غيرهما