مصباح الأصول( طبع موسسة إحياء آثار السيد الخوئي) - الخوئي، السيد أبوالقاسم - الصفحة ٤١٣ - الكلام في تعارض الاستصحاب مع القرعة
و ظهر بما ذكرناه أيضاً أنّه لا أساس لما هو المعروف في ألسنتهم: من أنّ أدلة القرعة قد تخصصت في موارد كثيرة، و كثرة التخصيص صارت موجبة لوهنها، فلا يمكن الأخذ بها إلّا في موارد انجبر ضعفها بعمل الأصحاب فيها.
و ذلك لأنّ الموارد التي لم يعمل فيها بالقرعة إنّما هو لعدم اشتباه الحكم الظاهري فيها، لجريان قاعدة من القواعد الظاهرية، لا لأجل تخصيص أدلة القرعة، فلم تثبت كثرة التخصيص فيها الموجبة لوهنها.
نعم، قد يعمل بالقرعة في بعض الموارد مع جريان القاعدة الظاهرية، للنص الخاص الوارد فيه، كما إذا اشتبه غنم موطوء في قطيع، فانّه ورد نص[١] دال على أنّه ينصّف القطيع و يقرع ثمّ يجعل نصفين و يقرع و هكذا إلى أن يعيّن الموطوء، فيجتنب عنه دون الباقي، و لو لا النص الخاص لكان مقتضى القاعدة هو الاحتياط و الاجتناب عن الجميع.
و تحصل مما ذكرناه: عدم جواز الرجوع إلى القرعة في الشبهات الحكمية أصلًا، إذ المرجع في جميع الشبهات الحكمية هي الاصول العملية التي مفادها أحكام ظاهرية، فانّ الشبهة الحكمية إن كانت لها حالة سابقة، فالمرجع فيها هو الاستصحاب، و إلّا فإن كان الشك في التكليف فيرجع إلى قاعدة البراءة، و إن كان الشك في المكلف به، فلا بدّ من الاحتياط. و أمّا التخيير في موارد دوران الأمر بين المحذورين فهو داخل في البراءة، إذ معنى التخيير البراءة عن الوجوب و الحرمة على ما ذكرناه في محلّه[٢].
فالمورد الوحيد للقرعة هي الشبهات الموضوعية التي لا يعلم حكمها الواقعي،
[١] الوسائل ٢٤: ١٦٩ و ١٧٠/ أبواب الأطعمة المحرمة ب ٣٠ ح ١ و ٤
[٢] في الجزء الثاني من هذا الكتاب ص ٣٨١ و ما بعدها