سيرة الأئمة الاثني عشر(ع) - هاشم معروف الحسني - الصفحة ٥١٣ - الاستعداد للحرب
من مجلسك فانهم من ثقات أمير المؤمنين فان أنت لقيت معاوية فاحبسه حتى آتيك فاني على اثرك وشيكا و ليكن خبرك عندي كل يوم.
و أرسل معه قائدين من خيرة المسلمين اخلاصا و جهادا و تضحية في سبيل اللّه و هما قيس بن سعد بن عبادة و سعيد بن قيس الهمداني، و أمره أن لا يقطع امرا دونهما و أن يستشير هما في جميع الأمور، و قال له: اذا أنت لقيت معاوية فلا تقاتله حتى يكون هو البادىء في القتال، فان اصبت فقيس بن سعد على الناس و ان اصيب فالقيادة من بعده لسعيد بن قيس.
و سار عبيد الله بالناس يقطع الصحاري حتى انتهى إلى الفلوجة، و منها إلى مسكن و كان معاوية قد نزل عليها، فنزل عبيد الله بن العباس بازائه، و في اليوم الثاني وجه معاوية بخيل اغارت على جيش عبيد الله فوقفوا لها وردوها على أعقابها، و أيقن معاوية تصميم الحسن (ع) على مواصلة القتال بعد أن رفض العروض المغرية التي قدمها إليه في رسائله، و كان يؤمن بوحي من طبيعته المفطورة على الغدر و المكر و الخداع و الكذب و الاحتيال بأن أقوم الناس خلقا و أشدهم عزيمة و أتقاهم نفسا قد تستغويه الاطماع و يذله الحرص فرسم سياسته على الاغراء و التغريب و التخويف، و كان يقول: و اللّه لاستميلن بالدنيا ثقاة علي (ع) و لا قسمن فيهم الأموال حتى تغلب دنياي آخرته، و استطاع بذلك أن يستميل إليه اكبر عدد من جند أمير المؤمنين و قادته، و لم يبق معه إلا الصفوة من القادة و الجند و هم قلة لا تغني شيئا في ساعات المحنة و لذلك اضطر إلى قبول التحكيم و الحكم الذي اختاره أهل العراق مع علمه بما تنطوي عليه تلك الدعوة من المفاسد و بما كان يضمره له الأشعري من كراهية و بما كان يتمناه لخلافته من سوء، و لكنه كما ذكرنا من قبل لما رأى نفسه تجاه أمر واقع و رأى أن المضي في الحرب و رفض التحكيم يؤدي إلى هلاك الصفوة المختارة من اصحابه و ربما إلى قتله و انتصار معاوية، و يستطيع معاوية عند ذلك ان يقول: لقد رفض ابن ابي طالب حكم القرآن و الرجوع إلى القرآن فكانت نهايته ما ترون و سيجد من يسمع له ذلك، فاختار أمير المؤمنين اهون الشرين و وافق على التحكيم، مع ما انتهت إليه نتيجته فلقد كان اهون الشرين و أيسر الأمرين.