سيرة الأئمة الاثني عشر(ع) - هاشم معروف الحسني - الصفحة ٤٧٧ - الحسن بعد وفاة جده و أمه
فأقبل علي (ع) إلى البيت مسرعا يغالب دموعه الحائرة في مقلتيه ودنا من الجثمان المسجى في وسط البيت و من حوله الحسن و الحسين، و بعد أن واراها الثرى التفت إلى قبر الرسول (ص) و قال: لقد استرجعت الوديعة و أخذت الرهينة، أما حزني فسرمد و أما ليلي فمسهد إلى أن يختار لي اللّه دارك التي أنت فيها مقيم و ستنبئك ابنتك بتضافر أمتك على هضمها فاصفها السؤال و استخبرها الحال. هذا و لم يطل العهد و لم يخلق منك الذكر، و السلام عليك سلام مودع لا قال و لا سئم فإن انصرف فلا عن ملالة و ان اقم فلا عن سوء ظن بما وعد الصابرين.
لقد طوى القدر الصفحة الأولى من حياة الامام الحسن بوفاة جده التي كانت من أسعد أيام حياته كلها و ظل يتذكرها و يستفيد من ابعادها، و بقي بعد جده ثلاثة أشهر أو ستة على أبعد التقادير في رعاية أمه الزهراء و أبيه أمير المؤمنين و هما في صراع دائم مع القوم و في غمرة من الحزن و الألم لفقد النبي (ص)، و ما لبث أن عاد القدر بعد تلك الأشهر القليلة فطوى الصفحة الثانية من حياته بوفاة أمه الزهراء و قد حفت بأبيه الأحداث و النكبات و الحسن يشاهد كل ذلك و يتجرع مرارتها و هو لا يزال في سن الطفولة فيرى أبا بكر على منبر جده رسول اللّه و الناس محدقون به فيندفع نحو مسرعا و هو يقول: أنزل عن منبر أبي، فيبتسم له و يقول: يأبى أنت يا ابن رسول اللّه لعمري أنه منبر أبيك لا منبر أبي، و يخيم الصمت على الحشود المجتمعة حول المنبر فيذكرون رسول اللّه و أيامه يوم كان يضعه على منكبه الأيمن و يضع أخاه الحسين على الأيسر، و يوم جاءه و هو ساجد فركب رقبته، و يوم جاءه و هو راكع فأفرج له بين رجليه حتى خرج من الجانب الآخر، و يوم قيل له: يا رسول اللّه أنك لتصنع مع الحسن ما لا تصنعه مع غيره فقال لهم: أنه ريحانتي من الدنيا، و تذكروا جميع تلك المشاهد و أيام رسول اللّه (ص) و إذا هم بين طوفان من الذكريات غطت بألوانها القاتمة جميع مسراتهم و أفراحهم.