سيرة الأئمة الاثني عشر(ع) - هاشم معروف الحسني - الصفحة ٢٥٦ - مع النبي في ساعة الوداع
قبيل وفاته بساعات قليلة خفت عنه و طأة المرض فخرج يتوكأ على الفضل ابن العباس و علي، فظن المسلمون أنه بدأ يتماثل للشفاء فخرج منهم جماعة لشؤونهم، و ما هي إلا فترة قصيرة حتى عاوده الضعف و الألم، فسمع و هو يقول: بل الرفيق الأعلى، و كان علي (ع) قد احتضنه حينما رآه يصارع الموت ففاضت نفسه الشريفة و هو على صدره و كان ذلك لليلتين بقيتا من صفر كما رجح ذلك اكثر المحدثين.
لقد اختار الرفيق الاعلى على الخلود في هذه الدنيا بعد جهاد استمر اكثر من عشرين عاما لم يذق خلالها طعم الراحة لإرساء تلك القيم التي دعا إليها في نفوس اصحابه لتصبح من بعده ارثا للاجيال في كل زمان و مكان، و ناشدهم و هو في مرضه على فراش الموت يعاني آلامه و أهواله أن يحفظوه في كتاب اللّه و عترته من أهل بيته و أن يكتب لهم كتابا لن يضلوا من بعده أبدا إذا أخذوا بتعاليم الكتاب و اتبعوا سيرة العترة فوصفوه بالهذيان فيئس منهم و اختار الرفيق الاعلى مع اخوانه النبيين و المرسلين، و أطل في تلك اللحظات على مستقبلهم القريب فرآهم و قد ارتدوا على أعقابهم و لم ينج منهم إلا مثل همل النعم كما يروي البخاري و غيره من المحدثين.
و اتفق المؤرخون على أن أبا بكر كان خارج المدينة حين وفاته و لم يكن حوله غير علي و بني هاشم و قد علم الناس بوفاته من الضجيج و عويل النساء فأسرعوا و تجمعوا في المسجد و خارجه و هم بين واجم مدهوش و صائح و نائح، و فيما الناس على هذه الحالة من الحزن و الألم و إذا بعمر بن الخطاب يدخل على رسول اللّه و ثورة الغضب بادية على قسمات وجهه، فكشف عن وجه النبي (ص) و رجع يهرول إلى الوراء بين الجماهير المحتشدة و بيده السيف يهزه و يقول: أن رجالا من المنافقين يزعمون أن رسول اللّه قد مات، أنه و اللّه ما مات و لكنه قد ذهب إلى ربه كما ذهب موسى بن عمران، و اللّه ليرجعن و يقطع ايدي اناس و أرجلهم، و جعل كما تصفه الروايات لا يمر بأحد يقول أن رسول اللّه قد مات إلا خبطه بسيفه و توعده بالنكال و العقاب، و استمر على ذلك مدة من الزمن يروح و يغدو بين الجماهير المحتشدة في المسجد و خارجه يزبد و يرعد