سيرة الأئمة الاثني عشر(ع) - هاشم معروف الحسني - الصفحة ١٨٤ - علي في بدر الكبرى
و قام بعدها سعد بن معاذ فقال: كأنك تريد أن تعرف رأينا يا رسول اللّه فقال أجل فرد عليه سعد بقوله لقد آمنا بك يا رسول اللّه و صدقناك و شهدنا أن ما جئتنا به هو الحق و أعطيناك مواثيقنا و عهودنا على السمع و الطاعة فامض يا نبي اللّه لما أردت فو الذي بعثك بالحق لو استعرضت بنا هذا البحر و خضته لخضناه معك ما بقي منا رجل واحد و خذ من أموالنا ما أردت فما أخذته أحب إلينا مما تتركه و عند اللقاء سنريك منا ما تقر به عينك [١].
و مضى رسول اللّه في طريقه إلى بدر و نزلها ليلة الجمعة في السابع عشر من شهر رمضان فبعث عليا و الزبير و سعد بن أبي وقاص و بسبس بن عمرو يتجسسون له الأخبار و قال أرجو أن تجدوا الخبر عند القليب التي تلي هذا الضريب، فاندفعوا باتجاهه فوجدوا على القليب روايا قريش فأسروا ثلاثة منهم، و استطاع الفرار رجل يدعى عجير فأخبر قريشا بخبر النبي و أصحابه و نادى يا آل غالب هذا ابن أبي كبشة و أصحابه قد أسروا سقاءكم، و كان الأسرى غلاما لسعيد بن العاص و يدعى يسارا و الثاني لمنبه بن الحجاج و يدعى اسلم، و الثالث لأمية بن خلف و يدعى أبا رافع و ظنهم المسلمون من أتباع قافلة أبي سفيان فلما أخبروهم عن قريش شدد عليهم المسلمون و كان النبي (ص) يصلي فلما فرغ سألهم أجابوه بأنهم غلمان لقريش و أخبروه بمكانها، فسألهم عن عدد المقاتلين من قريش، فقالوا له: إنهم جمع كبير و لا علم لنا بعددهم و لكنهم ينحرون يوما عشرة أباعر و يوما تسعة، فقال النبي القوم ما بين ألف و تسعمائة، و لما التقى الطرفان و عبأ النبي أصحابه و وقف النبي بين الصفين يخاطب قريشا بأسلوب يلهب المشاعر و يناشدهم بالجوار و الرحم القريبة التي تشد الناس بعضهم إلى بعض، و قال لهم: لأن يلي هذا مني غيركم أحب إلي من أن تلوه أنتم، فأصاب كلامه مكانا في نفس عتبة بن ربيعة أحد قادتهم و أبطالهم فقال لقريش: ما ردّ هذا قوم قط و أفلحوا ثم ركب جمله و جعل ينهي الناس عن
[١] ما أبعد هذا الموقف النابع عن إيمان سعد بعقيدته و ثقته بربه و الاستهانة بالحياة في سبيل اللّه ما أبعده عن موقف أبي حفص المتخاذل الذي صوّر به قريشا و كأنها قوة لا تغلب و لا تقهر و حذر فيه النبي من لقائها قبل أن يعد العدة لذلك.