سيرة الأئمة الاثني عشر(ع) - هاشم معروف الحسني - الصفحة ٥٩ - أولادها من النبي
لقد كانت خديجة تعرف كل ذلك عن أم جميل و تتلوى اشفاقا على ابنتيها فيمنعها احيانا من الرقاد، و لكن لم تكن لتفضي بذلك إلى زوجها العظيم الذي تراه يزداد يوما بعد يوم ميلا إلى الوحدة و اغراقا في التأمل و نزوعا إلى الصمت الطويل، و عزوفا عن الدنيا و مفاتنها و مشاكلها، و تتمنى لو انها تشاركه همومه و تحمل معه العبء الذي تحسه ثقيلا لا يقوى على حمله واحد من الناس.
و لم تكن أحاسيسها نحو ابنتيها من نسج الخيال، و لا هي مخاوف لا تعتمد على أساس مقبول بل كانت عن خبرة بأخلاق جارتها أم جميل، و ما كان النبي (ص) يصدع بالدعوة و يدعو إليها حتى وقفت قريش بكل قوتها في وجهه، و لم تكن أم جميل و زوجها عبد العزى بأقل حماسا و تهجما على محمد من غيرهما من زعماء قريش و قادتها الاشداء، و قد بدءوا يعدون الخطط لحربه و الوقوف صفا واحدا لاحباط مساعيه، و كان من بين تلك ارجاع بناته إليه لإيذائه، و مشوا إلى اصهاره الثلاثة واحدا بعد واحد يحرضونهم على محمد و على ترك بناته و وعدوهم بالزواج بمن أرادوا من فتيات قريش، فأما أبو العاص بن الربيع فقد أبى أن يتخلى عن زينب مؤثرا إياها على جميع النساء.
و أما عتبة و عتيبة فقد استجابا لطلب قريش و أم جميل على الفور تنفيذا لرغبة أمهما التي كانت تكيد لبني هاشم الذين استأثروا بالمجد و الجاه دون قومها بني عبد شمس، و في الوقت ذاته أرادت أن تشفي غليلها و حقدها من خديجة التي كانت السيدة الأولى في مكة بلا منازع.
و عادت البنتان إلى بيت أبيهما الذي عاشا فيه سعيدين حتى أدركهما الصبا، و أقاما إلى جانب أمهما و مضى محمد يتابع دعوته من غير أن يرى في رجوعهما ضيقا أو حرجا يشغله عنها، و لم تمض سوى مدة يسيرة حتى جاءه عثمان بن عفان خاطبا ابنته رقية فزوّجه إياها كما يدعي اكثر المؤرخين و هاجرت معه إلى الحبشة لما اشتدت قريش في مطاردة المسلمين و رجعت معه منها فأقامت معه إلى السنة الثانية من الهجرة، و توفيت و النبي (ص) خارج المدينة حيث خرج مع اصحابه لمعركة بدر و تخلف عنه عثمان ليساعد زوجته على مرضها فلم يشترك مع المسلمين في تلك المعركة، و تم دفنها في اليوم الذي رجع فيه النبي