سيرة الأئمة الاثني عشر(ع) - هاشم معروف الحسني - الصفحة ٤٤٦ - المارقون
و كبر معه أصحابه، ثم قال: و اللّه ما كذبت و ما كذبت، و بلا شك في أنه لو لا حديث الرسول (ص) عن هذه الفئة المارقة و عن ذي الثدية لما اهتم أمير المؤمنين ذلك الاهتمام البالغ به، و لما أخفاه ابن العاص عن السيدة عائشة و أخبرها بأنه قتله في الاسكندرية خلال الفتح الاسلامي لمصر.
و أكتفي بهذه اللمحات في حديثي عمن اسموهم بالخوارج وعدهم المؤرخون و المؤلفون في الفرق الاسلامية منذ أقدم العصور الاسلامية النواة الأولى لتلك الفرقة التي اقضت مضاجع حكام الدولة الأموية خلال قرن من الزمن تقريبا، و كانت حركتهم في العصر تتميز بالدعوة إلى المساواة و العدالة الاجتماعية و لهم آراء في أصول الاسلام و فروعه كانت مسرحا للجدل و النقاش بين قادة الفكر و الرأي عند ما ظهرت آراء المعتزلة و المرجئة و القدرية و الأشاعرة و غير ذلك في حين أنهم حينما خرجوا على أمير المؤمنين و تمردوا عليه لم يكن لحركتهم أي ميزة على غيرهم من المتمردين عليه كطلحة و الزبير و معاوية و غيرهم و لم يكن لهم هدف خاص كما كان لمعاوية و طلحة و الزبير، و ما ينسبه لهم المؤرخون من الجدل حول التحكيم مع أنهم من أنصاره في بداية الأمر و نتائجه لم يلتزم بها أمير المؤمنين (ع) إن صح يدل على أنهم كانوا في منتهى السذاجة و العفوية، على إني لا أزال عند رأيي في أنهم كانوا ضحايا المتآمرين على أمير المؤمنين بقصد اثارة الفتن في جيشه و إلهائه عن معاوية و الرجوع لحربه، و كان لمقتلهم آثاره السيئة في نفوس الكثيرين من أصحابه، لأن القتلى كان اكثرهم ينتمي إلى عشائر الكوفة و البصرة، فليس بغريب إذا ترك قتلهم في نفوس من ينتمون إليهم ما يجده كل قريب لفقد قريبه.
و لما انتهى أمير المؤمنين منهم دب الوهن و التخاذل و الخلاف بين اصحابه فجعل يستحثهم على الخروج معه لحرب معاوية و يخطب فيهم المرة تلو الأخرى فلا يجد منهم إلا التخاذل و الخلاف عليه فيقولون: لقد نفدت نبالنا و كلت اذرعنا و نصلت أسنة رماحنا و تقطعت سيوفنا، فامهلنا لنستعد فإن ذلك أقوى لنا على عدونا، و استمر على ذلك مدة من الزمن كان يدعهم بين الحين و الآخر للخروج إلى معسكرهم في النخيلة فلا يخرج إلا القليل الذي لا يغني شيئا.