سيرة الأئمة الاثني عشر(ع) - هاشم معروف الحسني - الصفحة ٣٩٨ - علي
هذا بالاضافة إلى أن السياسة الحكيمة كانت تفرض عليه هذا الموقف المتصلب من معاوية و غيره من ولاة عثمان على الامصار، لأنه ظل حتى اللحظات الاخيرة من حياة عثمان يلح عليه بعزلهم و تولية الاكفاء من المسلمين، و عرف منه ذلك القريب و البعيد و العدو و الصديق، فكيف ينكر عليه بقاءهم في الحكم بالأمس و يطالبه مع الثائرين باقصائهم و يندد به من أجلهم مع عامة المسلمين، و يقر معاوية اليوم على عمله و هو اخطرهم و أسوأهم حالا، و ما ذا يقول للناقمين على سياسة عثمان و قد كان إلى الأمس القريب أشد منهم نقمة عليها.
إن عليا (ع) لم يكن طالب ملك و لم تكن السلطة بنظره إلا وسيلة للحق و العدالة و انصاف المظلومين و هو يرى أن إقرار معاوية على عمله و لو يوما واحدا اقرار للباطل و تضليل للناس و مداهنة في الدين و توسل بالباطل لبلوغ الهدف و الغاية، و محال على أمير المؤمنين (ع) أن ينحدر إلى هذا المستوى الرخيص الشائع بين الساسة و السياسيين، و قد اجاب اولئك المشيرين عليه بترك معاوية في مركزه بقوله: ما كنت لأتخذ المضلين عضدا.
و قال الأستاذ عبد الفتاح حول سياسة علي (ع) من أنصار عثمان و ولاته: إن الناظر إلى سياسة علي (ع) حيال ولاة عثمان ليعلم مدى صوابه حين أبى إلا خلعهم و تولية سواهم ممن يؤمنون بمبادئه و مثله و يعلم أيضا أنه كان نافذ البصيرة مؤمنا باستجابة البلاد كلها له، لأنه لم يعمل إلا ما أملاه عليه شعور أهل الأمصار نحو اولئك الولاة، و ها هو الزمن قد اثبت فراسته فجاءته الطاعة من كل اقليم. اما الشام فلها وحدها شأن تنفرد به لأنها في قبضة رجل مفتون بالسلطان اقراره عليها و عدم اقراره سواء بسواء لن يسفر إلا عن تمرد لأنه لا يرضى بغير احتلاب السلطان الذي وقع في كف غريمه القديم.
و مضى يقول: و لعله لو أثبته الإمام في حكم الشام لوسعه أن يبدو في انظار الجماهير اقوى منه في حالة العزل، لأنه يستطيع أن يقول للناس: أنه يأبى البيعة لمن ولاه و لا يعتبرها إلا ثمنا يشتري أمير المؤمنين صمته عن اتهامه بمقتل عثمان.