سيرة الأئمة الاثني عشر(ع) - هاشم معروف الحسني - الصفحة ٣٣٣ - علي في عهد عمر بن الخطاب
لقد التزمت قريش ذلك في اختيار الخلفاء، و انقادت لعمر بن الخطاب كما انقادت لسلفه من قبل، و مضى هو في سياسته و سيرته على خط صاحبه مع كبار الصحابة، و لم ينس أبدا كلماته التي ودعه بها: احذر هؤلاء النفر من أصحاب رسول اللّه الذين انتفخت أوداجهم و طمحت أبصارهم.
لقد كان أبو بكر على ما يبدو من وصيته هذه حريصا على استتباب الأمر و استقراره إلى سلفه، و كان يخشاهم إن انتشروا في الامصار أن يستميلوا الناس إليهم فيطمحون للمعارضة و ينقضون على الخليفة، أو يستقلون في بعض أطراف البلاد، و اشتد عمر بن الخطاب في تنفيذ هذه المادة من وصايا أبي بكر إليه، و حبسهم في المدينة حتى أن الرجل منهم كما يروي المؤرخون كان يأتيه ملتمسا أن يسمح له بالخروج إلى الثغور ليقاتل إلى جانب المقاتلين، فلا يسمح له و يأمره بأن يلتزم بيته و مسجده، ثم يقول له: لقد كان لك في غزوك مع رسول اللّه ما يكفيك، و خير لك من الغزو اليوم أن لا ترى الدنيا و لا تراك فوقفوا حيث أراد لهم لا يبرحون من مكانهم إلا بإذن و لاجل محدود يتطلعون إلى البلاد التي خضعت لحكم الإسلام و خيراتها بألم و حسرة.
و أدرك ابن الخطاب مدى الضيق الذي ألّم بهم من هذا الحصار و مدى محاولاتهم للتفلت منه، و ما يضمرونه من السخط و الكراهية لهذا الأسلوب من الحكم، فقال: إن قريشا يريدون أن يتخذوا مال اللّه معونات دون عبادة اللّه، فأما و ابن الخطاب حي فلا، و مرة أخرى يقف موقف المشفق عليهم الحريص على آخرتهم و يحاول أن يبرر الحصار المضروب عليهم بإنقاذهم من سخط اللّه، فيقول إني قائم دون شعب الحرة أخذ بحلاقيم قريش و حجزها أن يتهافتوا في النار.
أما أمير المؤمنين (ع) فلم ينقل أحد من المؤرخين أنه وقف موقف المعارض لخلافة ابن الخطاب، أو بدا منه ما يسيء إلى صلاته به بل رضي لنفسه أن يكون كغيره من الناس، لا يذكر لمن مضى و لمن جاء من بعده إلا المحاسن، و لا ينطق إلا بلسان البررة الاطهار يمنحه النصيحة و يزوده برأيه كلما أشكل عليه أمر من الأمور، أو طرأ حادث جديد لم يسبق له نظير في حياتهم من