سيرة الأئمة الاثني عشر(ع) - هاشم معروف الحسني - الصفحة ٢٧٢ - السقيفة
المدينة على ما بينهم من خلاف على الخلافة بازاء امر واقع لا تنفع فيه الملاحاة و لا يغني عنه الجدل و لا ضير إذن إذا بقيت النفوس منطوية على ما فيها و انصرف الجميع لاقرار الأمن و الدفاع عن الاسلام الذي اصبحت تهدده عصابات المرتدين و المنافقين هنا و هناك، و كان علي (ع) اسرع الجميع إلى التضحية و التنازل عن أعز ما لديه في سبيل الاسلام، و هو القائل و اللّه لأسالمن ما سلمت امور المسلمين و لم يكن جور إلا علي خاصة، و قد وصف موقفه من الاسلام و الخلافة في مقام آخر بقوله:
و اللّه ما كان يلقى في روعي و لا يخطر ببالي أن العرب تزعج هذا الأمر من بعده عن أهل بيته و لا أنهم منحوه عني من بعده، فما راعني إلا انثيال الناس إلى أبي بكر يبايعونه فأمسكت بيدي حتى رأيت راجعة الناس قد رجعت عن الاسلام يدعون إلى محق دين محمد فخشيت إن لم انصر الاسلام و أهله أن أرى فيه ثلما أو هدما تكون المصيبة به أعظم من قوت ولايتكم التي هي متاع أيام قلائل يزول منها ما كان كما يزول السراب أو كما يتقشع السحاب فنهضت في تلك الأحداث حتى راح الباطل و اطمأن الدين و تنهنه.
لم يكن علي بن أبي طالب يفكر في غير الاسلام و يخشى غير محق الدين، فلما رأى راجعة الناس ترجع عن الاسلام نسي ذاته، و داس كل اعتباراتها، و لم يكن قد بايع لأبي بكر و لا أقر بحكومته، و وقف إلى جانبه في الدفاع عن المدينة مع اصحابه الذين ظلوا إلى جانبه خلال الأشهر الأولى من خلافة أبي بكر، و وقف المسلمون كلهم صفا واحدا متراصا في وجه المترددين و العابثين، و سيف علي على رأس تلك الحشود كما عهدوه بالأمس في معارك الاسلام مع الشرك عاصفا لا تقف له السرايا و لا تصمد بوجهه الابطال و الجيوش، و وضع يده في يد أبي بكر بعد أن صارحه بما في نفسه بلا مواربة، أو محاباة و قال له: لم يمنعنا عن مبايعتك أننا ننافسك على خير ساقه اللّه إليك، و لكنا نرى أن هذا الأمر هو حقنا و قد استبددتم به علينا و حلتم بيننا و بينه.
لقد صارحه بذلك ليعلم هو و من حوله أنه إذا كان يطالب بالخلافة فذاك لمصلحة الاسلام و إذا تغاضى عن حقه فيها فذاك لمصلحة الاسلام و عليهم أن