سيرة الأئمة الاثني عشر(ع) - هاشم معروف الحسني - الصفحة ٢٣٨ - علي و غزوة تبوك
أبي خرج مع المسلمين من المدينة بمن معه من احلافه و عسكروا خارج المدينة، و لم يكن عسكره بأقل العسكرين على حد تعبير المؤرخين، و لكنه لما تحرك (ص) بمن معه تخلف ابن أبي هو و جماعته و رجعوا إلى المدينة. و استخلف النبي عليا (ع) عليها في هذه الغزوة، و هي الغزوة الوحيدة من الغزوات لم يشترك فيها علي بن أبي طالب، و عند ما نلاحظ الظروف التي رافقت هذه الغزوة و الموقف المتخاذل الذي ظهر من بعض المتظاهرين بالإسلام و المؤامرات التي كانت تحاك لتخاذل المسلمين و موقف ابن أبي و جماعته الذين لا يقلون عن جيش النبي (ص) كما جاء في الطبقات و سيرة ابن هشام عند تقييم هذه الملابسات يدرك الباحث أن بقاء علي (ع) في المدينة في هذه الغزوة كانت تفرضه مصلحة الإسلام، بعد أن ظهر للنبي من المنافقين و حتى من بعض المسلمين ما ظهر و بلا شك فإن بقاءهم بالمدينة يشكل خطرا على الدعوة إذا لم يستخلف عليها النبي (ص) شخصا قويا يحاذرون منه و يخشون بطشه و سطوته. و لم تتوفر هذه النواحي في غير علي (ع).
و لما تحرك النبي في طريقه إلى تبوك ثقل عليهم وجود علي على رأس السلطة المحلية في عاصمة الدعوة، و أدركوا أنهم لا يستطيعون أن يفعلوا شيئا بوجوده، فراحوا يرددون في المجالس و الأندية أن النبي لم يستخلفه في المدينة إلا كرها به و شاعت مقالتهم في انحاء المدينة، و لما بلغت مقالتهم هذه عليا (ع) أخذ سيفه و سلاحه و لحق بالنبي و هو نازل في الجرف، فقال يا رسول اللّه: لقد زعم المنافقون بأنك إنما خلفتني لانك استثقلتني و أردت أن تتخفف مني، فقال (ص) كما جاء في رواية الطبري و ابن هشام و أبي الفداء و اليعقوبي و غيرهم:
إنما خلفتك لما ورائي، أن المدينة لا تصلح إلا بي أو بك فأنت خليفتي في أهل بيتي و دار هجرتي و قومي، أ ما ترضى أن تكون مني بمنزلة هارون من موسى إلا أنه لا نبي بعدي.
و الظاهر اتفاق المؤرخين و المحدثين على أن النبي قال لعلي هذه المقالة، و أضاف إلى ذلك أحمد في مسنده أنه قال له:
لا ينبغي أن أذهب إلا و أنت خليفتي.