سيرة الأئمة الاثني عشر(ع) - هاشم معروف الحسني - الصفحة ١٦٧ - مبيته على فراش الرسول ليلة الهجرة
تلك الليلة التي بات فيها علي (ع) على فراش الرسول أني قد قضيت على احد كما بالموت فأيكما يفدي صاحبه فاختار كل منهما الحياة، فأوحى اللّه إليهما هلا كنتما كعلي بن أبي طالب و محمد بن عبد الله لقد آخيت بينهما و جعلت عمر احد هما اكثر من الآخر فاختار علي الموت و آثر محمدا بالبقاء و نام في مضجعه، اهبطا إلى الأرض و احفظاه من عدوه، فهبطا يحرسانه و جبريل يقول: بخ بخ لك يا ابن أبي طالب من مثلك يباهي به اللّه ملائكته فوق سبع سماوات [١].
و على أي الأحوال فإن مبيته على فراش الرسول ليقيه بنفسه و يفديه بروحه و إن كان من أروع ما عرفه التاريخ من التضحية في سبيل المبدأ و العقيدة، و لكن المتتبع لتاريخ أبي طالب و ولده علي (ع) خلال ثلاثة عشر عاما خلت من تاريخ الدعوة إلى اليوم الذي بات فيه على فراشه و في الفترة التي اعقبت الهجرة إلى اليوم الذي فارق فيه محمد دنيا الناس لا يرى أمثال هذه المواقف غريبة على أبي طالب و ولده علي (ع)، فلقد كان أبو طالب الزعيم الأول لقريش و الآمر الناهي فيها و مع ذلك فقد ضحى بكل شيء و وقف وحده في وجه أولئك الطغاة و عرض نفسه للجوع و الأذى خلال أعوام الحصار مع اخوته و بني عمومته يقتاتون في أكثر الأحيان ما يجدونه من نبات الأرض و أعشابها كما عرض نفسه و أولاده أكثر من مرة للموت في سبيله و هو يخاطب الرسول و يقول:
و اللّه لن يصلوا إليك بجمعهم* * * حتى أوسد في التراب دفينا
إن من يستعرض تاريخ أبي طالب و ولده علي و مواقفهما الحازمة في نصرة الاسلام لا يستطيع أن يفضل موقفا على موقف، فكل مواقفهما تأتي في القمة بين مواقف الأبطال و المناضلين في سبيل اللّه و خير الانسانية.
و الذي يدعو إلى الدهشة هو أن الذين كتبوا في التاريخ الاسلامي و السيرة النبوية و أحصوا الحوادث التي رافقت مسيرتها لم يهملوا شيئا من مواقف أبي
[١] أنظر ص ٢٩ من المجلد الثاني تاريخ اليعقوبي، و أسد الغابة لابن الأثير ج ٤ ص ٢٥ و الشبلنجي في الأبصار ص ٧٧، و المنادي في كنوز الحقائق ص ٣١، و الغزالي في احياء العلوم، كما جاء في فضائل الخمسة ج ٢ ص ٣١٠.