نهج البلاغة - ط مطبعة الإستقامة - عبده، محمد - الصفحة ٢٢٦ - ٢١٤ - و من خطبة له عليه السّلام خطبها بصفين
إنّ من حقّ من عظم جلال اللّه فى نفسه، و جلّ موضعه من قلبه، أن يصغر عنده - لعظم ذلك - كلّ ما سواه [١]، و إنّ أحقّ من كان كذلك لمن عظمت نعمة اللّه عليه [٢]، و لطف إحسانه إليه، فإنّه لم تعظم نعمة اللّه على أحد إلاّ ازداد حقّ اللّه عليه عظما، و إنّ من أسخف حالات الولاة عند صالح النّاس أن يظنّ بهم حبّ الفخر [٣]، و يوضع أمرهم على الكبر، و قد كرهت أن يكون جال فى ظنّكم أنّى أحبّ الإطراء، و استماع الثّناء [٤]، و لست - بحمد اللّه - كذلك، و لو كنت أحبّ أن يقال ذلك لتركته انحطاطا للّه سبحانه عن تناول ما هو أحقّ به من العظمة و الكبرياء، و ربّما استحلى النّاس الثّناء بعد البلاء [٥]، فلا تثنوا علىّ بجميل ثناء لإخراجى نفسى إلى اللّه و إليكم من التّقيّة فى حقوق لم أفرغ من أدائها [٦]، و فرائض لا بدّ من إمضائها، فلا تكلّمونى
[١] «كل» فاعل «يصغر» أى: يصغر عنده كل ما سوى اللّه لعظم ذلك الجلال الالهى.
[٢] و أحق المعظمين للّه بتصغير ما سواه: هو الذى عظمت نعمة اللّه عليه
[٣] أصل السخف رفة العقل و غيره، أى: ضعفه. و المراد أدنى حالة للولاة أن يظن بهم الصالحون أنهم يحبون الفخر و يبنون أمورهم على أساس الكبر.
[٤] كره الامام أن يخطر ببال قومه كونه يحب الاطراء، أى: المبالغة فى الثناء عليه، فان حق الثناء للّه وحده، فهو رب العظمة و الكبرياء
[٥] البلاء: إجهاد النفس فى إحسان العمل
[٦] «لاخراجى» متعلق بتثنوا. و التقية: الخوف، و المراد لازمه، و هو العقاب. و «من» متعلق باخراجى، أى: إذا أخرجت نفسى من عقاب اللّه فى حق من الحقوق أو قضاء فريضة من الفرائض فلا تثنوا على ذلك، فانما وقيت نفسى، و عملت لسعادتى، على أنى ما أديت الواجب على فى ذلك، و ما أجزل هذا القول و أجمعه