نهج البلاغة - ط مطبعة الإستقامة - عبده، محمد - الصفحة ٢٢٤ - ٢١٤ - و من خطبة له عليه السّلام خطبها بصفين
و لو كان لأحد أن يجرى له و لا يجرى عليه لكان ذلك خالصا للّه سبحانه دون خلقه، لقدرته على عباده، و لعدله فى كلّ ما جرت عليه صروف قضائه، و لكنّه جعل حقّه على العباد أن يطيعوه و جعل جزاءهم عليه مضاعفة الثّواب تفضّلا منه و توسّعا بما هو من المزيد أهله
ثمّ جعل - سبحانه - من حقوقه حقوقا افترضها لبعض النّاس على بعض، فجعلها تتكافأ فى وجوهها، و يوجب بعضها بعضا، و لا يستوجب بعضها إلاّ ببعض
[١]. و أعظم ما افترض - سبحانه - من تلك الحقوق حقّ الوالى على الرّعيّة، و حقّ الرّعيّة على الوالى، فريضة فرضها اللّه - سبحانه - لكلّ على كلّ، فجعلها نظاما لألفتهم، و عزّا لدينهم فليست تصلح الرّعيّة إلاّ بصلاح الولاة، و لا يصلح الولاة إلاّ باستقامة الرّعيّة، فإذا أدّت الرّعيّة إلى الوالى حقّه، و أدّى الوالى إليها حقّها، عزّ الحقّ بينهم، و قامت مناهج الدّين، و اعتدلت معالم العدل، و جرت على أذلالها السّنن [٢]، فصلح بذلك الزّمان، و طمع فى بقاء الدّولة، و يئست مطامع الأعداء. و إذا غلبت الرّعيّة واليها، أو أجحف
[١] فحقوق العباد التى يكافىء بعضها بعضا و لا يستحق أحد منها شيئا إلا بأدائه مكافأة ما يستحقه هى من حقوقه تعالى أيضا
[٢] ذل الطريق - بكسر الذال -: محجته. و «جرت أمور اللّه أذلالها، و على أذلالها» أى: وجوهها، و السنن: جمع سنة، و طمع: مبنى للمجهول