نهج البلاغة - ط مطبعة الإستقامة - عبده، محمد - الصفحة ١٨٢ - ١٩٠ - و من خطبة له عليه السّلام تسمى القاصعة ١
و مضر، و قد علمتم موضعى من رسول اللّه - صلّى اللّه عليه و آله و سلّم - بالقرابة القريبة و المنزلة الخصيصة، وضعنى فى حجره و أنا ولد يضمّنى إلى صدره، و يكنفنى فى فراشه، و يمسّنى جسده، و يشمّنى عرفه [١]، و كان يمضغ الشّىء ثمّ يلقمنيه، و ما وجد لى كذبة فى قول، و لا خطلة فى فعل [٢]، و لقد قرن اللّه به، صلّى اللّه عليه و آله، من لدن أن كان فطيما أعظم ملك من ملائكته، يسلك به طريق المكارم، و محاسن أخلاق العالم، ليله و نهاره، و لقد كنت أتّبعه اتّباع الفصيل أثر أمّه [٣] يرفع لى فى كلّ يوم من أخلاقه علما، و يأمرنى بالاقتداء به، و لقد كان يجاور فى كلّ سنة بحراء [٤]، فأراه و لا يراه غيرى، و لم يجمع بيت واحد يومئذ فى الإسلام غير رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله، و خديجة، و أنا ثالثهما، أرى نور الوحى و الرّسالة، و أشمّ ريح النّبوّة
و لقد سمعت رنّة الشّيطان حين نزل الوحى عليه، صلّى اللّه عليه و آله و سلم، فقلت: يا رسول اللّه، ما هذه الرّنّة؟ فقال: «هذا الشّيطان أيس من عبادته،
[١] عرفه - بالفتح -: رائحته الذكية
[٢] الخطلة: واحدة الخطل، كالفرحة واحدة الفرح، و الخطل: الخطأ ينشأ من عدم الروية.
[٣] الفصيل: ولد الناقة
[٤] حراء - بكسر الحاء -: جبل على القرب من مكة. كان الرسول صلّى اللّه عليه و آله و سلم يتعبد فيه قبل البعثة