نهج البلاغة - ط مطبعة الإستقامة - عبده، محمد - الصفحة ١٦٢ - ١٩٠ - و من خطبة له عليه السّلام تسمى القاصعة ١
اعترضته الحميّة فافتخر على آدم بخلقه، و تعصّب عليه لأصله، فعدوّ اللّه إمام المتعصّبين، و سلف المستكبرين، الّذى وضع أساس العصبيّة، و نازع اللّه رداء الجبريّة، و ادّرع لباس التّعزّز، و خلع قناع التّذلّل.
أ لا ترون كيف صغّره اللّه بتكبّره؟ و وضعه اللّه بترفّعه؟ فجعله فى الدّنيا مدحورا، و أعدّ له فى الآخرة سعيرا.
و لو أراد اللّه أن يخلق آدم من نور يخطف الأبصار ضياؤه، و يبهر العقول رواؤه [١]، و طيب يأخذ الأنفاس عرفه، لفعل، و لو فعل لظلّت له الأعناق خاضعة، و لخفّت البلوى فيه على الملائكة، و لكنّ اللّه - سبحانه - ابتلى خلقه ببعض ما يجهلون أصله تمييزا بالاختبار لهم، و نفيا للاستكبار عنهم، و إبعادا للخيلاء منهم.
فاعتبروا بما كان من فعل اللّه بإبليس، إذ أحبط عمله الطّويل، و جهده الجهيد، و كان قد عبد اللّه ستّة آلاف سنة لا يدرى أمن سنى الدّنيا أم سنى الآخرة - عن كبر ساعة واحدة [٢] فمن [ذا] بعد إبليس يسلم على اللّه بمثل معصيته [٣]؟ كلاّ! ما كان اللّه سبحانه ليدخل الجنّة بشرا بأمر أخرج به منها
[١] الرواء - بضم ففتح -: حسن المنظر، و العرف - بالفتح -: الرائحة
[٢] «عن» متعلق بأحبط، أى: أضاع عمله بسبب كبر ساعة
[٣] أى: يسلم من عتابه، و كأنه استعمل «سلم» بمعنى ذهب أو فات فأتى بعلى