نهج البلاغة - ط مطبعة الإستقامة - عبده، محمد - الصفحة ١٦٠ - ١٨٩ - و من خطبة له عليه السّلام
قد تحيّرت مذاهبها، و أعجزت مهاربها [١]. و خابت مطالبها، فأسلمتهم المعاقل، و لفظتهم المنازل، و أعيتهم المحاول [٢] فمن ناج معقور [٣]، و لحم مجزور، و شلو مذبوح، و دم مسفوح، و عاضّ على يديه، و صافق بكفّيه، و مرتفق بخدّيه [٤]، و زار على رأيه، و راجع عن عزمه، و قد أدبرت الحيلة، و أقبلت الغيلة [٥] و لات حين مناص، هيهات [هيهات]!! قد فات ما فات، و ذهب ما ذهب، و مضت الدّنيا لحال بالها [٦] (فَمٰا بَكَتْ عَلَيْهِمُ اَلسَّمٰاءُ وَ اَلْأَرْضُ وَ مٰا كٰانُوا مُنْظَرِينَ)
[١] تحير المذاهب: حيرة الناس فيها، و المهارب: جمع مهرب، و هو مكان الهرب، و إنّما أعجزت الناس عن الهروب لأنها ليست كما يرونها مهارب بل هى مهالك
[٢] المحاول: جمع محال - بفتح الميم - أو محالة: بمعنى الحذق و جودة النظر، أى: لم يفدهم ذلك خلاصا
[٣] أى: فمنهم ناج من الموت، معقور: أى مجروح، و هو من «عقر الشاة و البعير» إذا ضرب ساقه بالسيف و هو قائم. و المجزور: المسلوخ الذى أخذ عنه جلده، و الشلو - بالكسر - هنا البدن كله، و المسفوح: المسفوك
[٤] المرتفق بخديه: واضع خديه على مرفقيه، و مرفقيه على ركبتيه منصوبتين و هو جالس على إليته، و هذه الأوصاف كناية عن الندم على التفريط و الافراط. و الزارى على رأيه: المقبح له اللائم لنفسه عليه
[٥] الغيلة: الشر الذى أضمرته الدنيا فى خداعها، «و لات حين مناص» أى: ليس الوقت وقت التملص و الفرار
[٦] البال: القلب و الخاطر، و المراد ذهبت على ما تهواه لا على ما يريد أهلها