نهج البلاغة - ط مطبعة الإستقامة - عبده، محمد - الصفحة ٩٢ - ١٦٣ - و من خطبة له عليه السّلام يذكر فيها عجيب خلقة الطاووس
و يعرى من لباسه فيسقط تترى، و ينبت تباعا، فينحتّ من قصبه انحتات أوراق الأغصان [١] ثمّ يتلاحق ناميا حتّى يعود كهيئته قبل سقوطه: لا يخالف سالف ألوانه، و لا يقع لون فى غير مكانه. و إذا تصفّحت شعرة من شعرات قصبه أرتك حمرة ورديّة، و تارة خضرة زبرجديّة، و أحيانا صفرة عسجديّة [٢] فكيف تصل إلى صفة هذا عمائق الفطن [٣] أو تبلغه قرائح العقول، أو تستنظم وصفه أقوال الواصفين و أقلّ أجزائه قد أعجز الأوهام أن تدركه، و الألسنة أن تصفه؟! فسبحان الّذى بهر العقول [٤] عن وصف خلق جلاّة للعيون فأدركته محدودا مكوّنا، و مؤلّفا ملوّنا، و أعجز الألسن عن تلخيص صفته و قعد بها عن تأدية نعته. و سبحان من أدمج قوائم الذّرّة [٥] و الهمجة إلى ما فوقها من خلق الحيتان و الفيلة، و وأى على نفسه
[١] ينحت: يسقط و ينقشر، و انحتات الأوراق: تناثرها
[٢] ذهبية
[٣] عمائق: جمع عميقة، و هى البعيدة الغور، و القرائح: جمع قريحة، و هى الخاطر و الذهن
[٤] بهر العقول: قهرها فردها، و جلاه كجلاه - الأول بالتخفيف، و الثانى مضعف الحشو -: كشفه
[٥] الذرة: واحدة الذر، و هو صغار النمل، و الهمجة - محركة - واحدة الهمج و هو ذباب صغير يسقط على وجوه الغنم. و قوائمها: أرجلها، و أدمجها: أودعها فيها