نهج البلاغة - ط مطبعة الإستقامة - عبده، محمد - الصفحة ٨٩ - ١٦٣ - و من خطبة له عليه السّلام يذكر فيها عجيب خلقة الطاووس
مدامعه [١] فتقف فى ضفّتى جفونه، و إنّ أنثاه تطعم ذلك ثمّ تبيض لا من لقاح فحل سوى الدّمع المنبجس لما كان ذلك بأعجب [٢] من مطاعمة الغراب تخال قصبه مدارى من فضّة [٣] و ما أنبت عليه من عجيب داراته و شموسه خالص العقيان و فلذ الزّبرجد، فإن شبّهته بما أنبتت الأرض قلت: جنى جنى من زهرة كلّ ربيع [٤]، و إن ضاهيته بالملابس فهو كموشىّ الحلل [٥] أو مونق عصب اليمن، و إن شاكلته بالحلىّ فهو كفصوص ذات ألوان قد
[١] «تسفحها» أى: ترسلها أوعية الدمع، و ضفة الجفن: استعارة من ضفتى النهر، بمعنى جانبيه، و تطعم ذلك - كتعلم - أى: تذوقه كأنها تترشفه، و لقاح الفحل - كسحاب - ماء التناسل يلقح به الأنثى، و المنبجس: النابع من العين
[٢] «لما كان ذلك بأعجب» أى: لو صح ذلك الزعم فى الطاووس لكان له نظير فيما زعموا فى مطاعمة الغراب و تلقيحه لأنثاه حيث قالوا: إن مطاعمة الغراب بانتقال جزء من الماء المستقر فى قانصة الذكر إلى الأنثى تتناوله من منقاره، و المماثلة بين الزعمين فى عدم الصحة. و منشأ الزعم فى الغراب إخفاؤه لسفاده حتى ضرب المثل بقولهم «أخفى من سفاد الغراب».
[٣] القصب: جمع قصبة، و هى الريش، و المدارى: جمع مدرى - بكسر الميم - قال ابن الأثير: المدرى و المدراة مصنوع من حديد أو خشب على شكل سن من أسنان المشط، و أطول منه، يسرح به الشعر المتلبد، و يستعمله من لا مشط له. و الدارات: هالات القمر، و العقيان: الذهب الخالص، أو ما ينمو منه فى معدنه. و فلذ - كعنب - جمع فلذة، بمعنى القطعة، و «ما أنبت» معطوف على قصبه، و التشبيه فى بياض القصب و الصفرة و الخضرة فى الريش
[٤] «جنى» أى: مجتنى جمع كل زهر، لأنه جمع كل لون
[٥] الموشى: المنقوش المنمنم، على صيغة اسم الفاعل، و العصب - بالفتح - ضرب من البرود منقوش