نهج البلاغة - ط مطبعة الإستقامة - عبده، محمد - الصفحة ٨٧ - ١٦٣ - و من خطبة له عليه السّلام يذكر فيها عجيب خلقة الطاووس
من مختلف صور الأطيار [١] الّتى أسكنها أخاديد الأرض، و خروق فجاجها و راسى أعلامها، من ذات أجنحة مختلفة، و هيئات متباينة، مصرّفة فى زمام التّسخير [٢] و مرفرفة بأجنحتها فى مخارق الجوّ المنفسح و الفضاء المنفرج، كوّنها بعد أن لم تكن فى عجائب صور ظاهرة، و ركّبها فى حقاق مفاصل محتجبة [٣] و منع بعضها بعبالة خلقه أن يسمو فى السّماء خفوفا، و جعله يدفّ دفيفا، و نسقها على اختلافها فى الأصابيغ [٤] بلطيف قدرته، و دقيق صنعته، فمنها مغموس فى قالب [٥] لون لا يشوبه غير لون ما غمس فيه، و منها مغموس فى لون صبغ
[١] ذرأ: خلق. و الأخاديد: جمع أخدود، و هو الشق فى الأرض، و الخروق: جمع خرق، و هى الأرض الواسعة تتخرق فيها الرياح. و الفجاج: جمع فج، و هو الطريق الواسع، و قد يستعمل فى متسع الفلا، و الأعلام: جمع علم - بالتحريك - و هو الجبل
[٢] يصرفها اللّه فى أطوار مختلفة: تنتقل فيها بزمام تسخيره و استخدامه لها فيما خلقها لأجله، و مرفرفة: من «رفرف الطائر» إذا بسط جناحيه، و المخارق: جمع مخرق، و هى الفلاة، و شبه الجو بالفلاة للسعة فيهما
[٣] الحقاق - ككتاب -: جمع حق - بالضم - و هو مجتمع المفصلين، و احتجاب المفاصل: استتارها باللحم و الجلد، و العبالة: الضخامة، و يسمو: يرتفع، و خفوفا: سرعة و خفة، و دفيف الطائر: مروره فويق الأرض، أو أن يحرك جناحيه و رجلاه فى الأرض، و يدف: بكسر الدال
[٤] نسقها: رتبها، و الأصابيغ: جمع أصباغ - بفتح الهمز - جمع صبغ - بالكسر - و هو اللون، أو ما يصبغ به
[٥] القالب: مثال تفرغ فيه الجواهر لتأتى على قدره، و الطائر ذو اللون الواحد كأنما أفرغ فى قالب من اللون. و قوله «قد طوق» أى: إن جميع بدنه بلون واحد، إلا لون عنقه فانه يخالف سائر بدنه، كأنه طوق صيغ لحليته