نهج البلاغة - ط مطبعة الإستقامة - عبده، محمد - الصفحة ٧٨ - ١٥٩ - و من خطبة له عليه السّلام
و أتوكّل على اللّه توكّل الإنابة إليه، و أسترشده السّبيل المودّية إلى جنّته، القاصدة إلى محلّ رغبته [١]. أوصيكم عباد اللّه بتقوى اللّه و طاعته، فإنّها النّجاة غدا، و المنجاة أبدا، رهّب فأبلغ، و رغب فأسبغ [٢] و وصف لكم الدّنيا و انقطاعها و زوالها و انتقالها، فأعرضوا عمّا يعجبكم فيها لقلّة ما يصحبكم منها.
أقرب دار من سخط اللّه، و أبعدها من رضوان اللّه! فغضّوا عنكم عباد اللّه غمومها و أشغالها لما أيقنتم به من فراقها و تصرّف حالها، فاحذروها حذر الشّفيق النّاصح [٣] و المجدّ الكادح، و اعتبروا بما قد رأيتم من مصارع القرون قبلكم: قد تزايلت أوصالهم [٤] و زالت أبصارهم و أسماعهم، و ذهب شرفهم و عزّهم، و انقطع سرورهم و نعيمهم، فبدّلوا بقرب الأولاد فقدها، و بصحبة الأزواج مفارقتها، لا يتفاخرون، و لا يتناسلون، و لا يتزاورون، و لا
[١] الانابة: مصدر «أناب ينيب» أى: رجع. و السبيل: الطريق، يذكر و يؤنث، و قوله «القاصدة» صفة ثانية للطريق، و معناها فى الأصل ضد الجائرة، و أراد منها ههنا المؤدية و المفضية و لذلك عداها بالى
[٢] «أستبغ» أى: أحاط بجميع وجوه الترغيب
[٣] الشفيق: الخائف، و الناصح: الخالص، و المجد: المجتهد، و الكادح: المبالغ فى سعيه.
[٤] تزايلت: تفرقت، و الأوصال: المفاصل، أو مجتمع العظام، و تفرقها: كناية عن تبددهم و فنائهم