نهج البلاغة - ط مطبعة الإستقامة - عبده، محمد - الصفحة ٦٦ - ١٥٥ - و من خطبة له عليه السّلام
١٥٥ - و من خطبة له عليه السّلام
الحمد للّه الّذى جعل الحمد مفتاحا لذكره، و سببا للمزيد من فضله، و دليلا على آلائه و عظمته عباد اللّه، إنّ الدّهر يجرى بالباقين كجريه بالماضين، لا يعود ما قد ولّى منه، و لا يبقى سرمدا ما فيه. آخر فعاله كأوّله، متسابقة أموره [١] متظاهرة أعلامه، فكأنّكم بالسّاعة تحدوكم حدو الزّاجر بشوله، فمن شغل نفسه بغير نفسه تحيّر فى الظّلمات، و ارتبك فى الهلكات، و مدّت به شياطينه فى طغيانه، و زيّنت له سيّىء أعماله، فالجنّة غاية السّابقين، و النّار غاية المفرّطين.
اعلموا عباد اللّه، أنّ التّقوى دار حصن عزيز، و الفجور دار حصن ذليل:
[١] تتسابق أمور الدهر - أى: مصائبه - كأن كلا منها يطلب النزول قبل الآخر، فالسابق منها مهلك، و المتأخر لاحق له فى مثل أثره، و الأعلام: هى الرايات، كنى بها عن الجيوش و تظاهرها و تعاونها، و الساعة: القيامة، و حدوها: سوقها و حثها لأهل الدنيا على المسير للوصول إليها. و زاجر الأبل: سائقها. و الشول - بالفتح جمع شائلة، على غير قياس، و هى من الأبل: ما خف لبنها، و ارتفع ضرعها، و مضى عليها من حملها أو وضعها سبعة أشهر أو ثمانية، فأما الشائل - بغير هاء - فهى الناقة تشول بذنبها للقاح - أى: ترفعه - و لا لبن لها أصلا، و جمعها شول، مثل راكع و ركع، و قال أبو النجم كأن فى أذنابهن الشول و الزاجر: الذى يزجر الأبل و يسوقها. و تقول: حدوث بابلى حدوا و حداء، إذا سقتها و غنيت لها، و يقال للشمال: حدواء، لأنها تحدو السحاب - أى: تسوقه - و المعنى: إن سائق الشول يعسف بها و لا يتقى سوقها و لا يدارك كما يسوق العشار: