نهج البلاغة - ط مطبعة الإستقامة - عبده، محمد - الصفحة ٦٤ - ١٥٤ - و من كلام له عليه السّلام خاطب به أهل البصرة على جهة اقتصاص الملاحم
بالمعروف و النّهى عن المنكر لخلقان من خلق اللّه سبحانه، و إنّهما لا يقرّبان من أجل و لا ينقصان من رزق، و عليكم بكتاب اللّه فإنّه الحبل المتين، و النّور المبين، و الشّفاء النّافع، و الرّىّ النّاقع [١]، و العصمة للمتمسّك، و النّجاة للمتعلّق لا يعوجّ فيقام، و لا يزيع فيستعتب [٢]، و لا تخلقه كثرة الرّدّ و ولوج السّمع [٣]. من قال به صدق، و من عمل به سبق،
و قام إليه رجل و قال: أخبرنا عن الفتنة، و هل سألت عنها رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلم؟ فقال عليه السّلام: لمّا أنزل اللّه سبحانه قوله: (الم أَ حَسِبَ اَلنّٰاسُ أَنْ يُتْرَكُوا أَنْ يَقُولُوا آمَنّٰا وَ هُمْ لاٰ يُفْتَنُونَ) علمت أنّ الفتنة لا تنزل بنا و رسول اللّه، صلّى اللّه عليه و آله، بين أظهرنا، فقلت: يا رسول اللّه، ما هذه الفتنة الّتى أخبرك اللّه بها [٤]؟ فقال: «يا علىّ، انّ
[١] نقع العطش: إذا أزاله
[٢] «يستعتب» من «عتب» إذا انصرف، و السين و التاء للطلب، أو زائدتان أى: لا يميل عن الحق فيصرف أو يطلب منه الانصراف عنه
[٣] أخلقه: ألبسه ثوبا خلقا، أى: باليا، و كثرة الرد: كثرة ترديده على الألسنة بالقراءة، أى: إن القرآن دائما فى أثوابه الجدد، رائق لنظر العقل، و إن كثرت تلاوته، لانطباقه على الأحوال المختلفة فى الأزمنة المتعددة، و ليس كسائر الكلام: كلما تكرر ابتذل، و ملته النفس
[٤] «فقلت: يا رسول اللّه - الخ» أشكل على الشارحين العطف بالفاء مع كون الآية مكية و السؤال كان بعد أحد و واقعته كانت بعد الهجرة، و صعب عليهم التوفيق بين كلام الامام و بين ما أجمع عليه المفسرون من كون العنكبوت مكية بجميع آياتها، و الذى أراه أن علمه بكون الفتنة لا تنزل و النبى بين أظهرهم كان عند نزول الآية فى مكة، ثم شغله عن استخبار الغيب اشتداد المشركين على الموحدين و اهتمام هؤلاء برد كيد أولئك، ثم بعد ما خفت الوطأة و صفا الوقت لاستكمال العلم سأل هذا السؤال، فالفاء لترتب السؤال على العلم، و العلم كان ممتدا إلى يوم السؤال فهى لتعقيب قوله لعلمه، و التعقيب يصدق بأن يكون ما بعد الفاء غير منقطع عما قبلها، و إن امتد زمن ما قبلها سنين. تقول: تزوج فولد له، و حملت فولدت